فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فنفهم الرجولة في شكل ارتقائي تصاعدي، غير أنني لا أعني بالضبط أن عدم اتباع خطوات الآخر كاف لأن يأتي بواسطته الرجل بأشياء خارقة لم يأت بها غيره، أو أن يتفوق عليه، بل قد يكون هناك اختراع مخترعات وكشف أشياء وخلق أفكار ونظريات أكثر مما يكون التفوق، لأن التفوق مسألة أخرى، ويكون هناك الرقي الجماعي مشخصا في تلك الخطوات وفي ذلك الكشف والخلق والاختراع أكثر من أي شيء آخر، وأنا لا أعني أيضا بالضبط في استدلالي بنابليون وبأبي العلاء أن رجولة الرجل لا تثبت إلا إذا تفوق على من سبقه بالوسائل التي ذكرت، وإنما أعني أن رجولة رجل سابق وحدها في شخص فإنها لا تعني زيادة الترقي بمرور الزمن، إذا لم تكن هناك خطوات جديدة ولا مضاعفة جهود، وبدليل واسع إن الأمة التي لا تخترع الذرة ليست من قيمة التي تخترعها، أي أن هذه تقدمت بعامل الزمن وبتغيير الخطوات وتلك لم تتقدم.
أما الاعتبار الأخير فقد نظن لأول وهلة، وببداهة أنه جامع لأهداف الاعتبارين الأولين، ولكننا إذا ما تبصرنا مليا فلربما سنقف عند همزة الوصل بين الاعتبارين، لأننا لم نحكم قط فيما سبق بأن الذي لم يتبع خطوات غيره بعد أن صار رجلا، لم يتبعها قبل أن يصير ذلك الرجل، وتدخل في هذه النقطة فكرة التخصيص وإن لم تكن شاملة لمفهوم الخطوات، غير أنه يمكننا الحكم بأن من لم يتبع خطوات غيره قبل صيرورته رجلا في الأغلب لن يتبعها بعد هذه الصيرورة، بدليل ما انطبع عليه من حرية الفكر طوال المدة، فنحصل كما ذكرنا سابقا في الاعتبار الأول حين تتم رجولة غير متبعي الخطوات على رجال ذوي شكليات أخرى وعبقريات غير معروفة .. إلخ، وسنفكر بعد فيما سيحصل عندما يتوالى عدم اتباع الخطوات بعد ذلك.
ومما تجدر الإشارة إليه أنني لم أتقيد كليا فيما أسلفت من القول بالتقسيم الذي تعرض له بعض المربين من كون الشخصية أو الرجولة مكتسبة وفطرية في آن واحد، بحيث تهبنا الطبيعة قسطا فطريا بجانب المكتسب فننميه بالتربية الاستقلالية الحرة، فنتحرر جسميا وعقليا واجتماعيا، بل راعيت في ذلك الامتزاج، والسير بالموضوع نحو المقصود من الحكمة المذكورة فقط، وقد أشرت إلى نقطة التقليد في حكمة جيته دون أن أحتاج فيها إلى تعمق لأن جيته لم ينظر إلى التقليد بصورته النافعة حيث يتعلم الإنسان لغة ذويه وعلوم جنسه وفنونهم وأخلاقهم بالمحاكاة مما يسمى بالوراثة الاجتماعية، التي تسير بالإنسان إلى الرفعة والكمال، وإنما أقصد التقليد الغير المحمود، وهو أشهر من أن يعرف، ولا يحتاج إلى تطويل.
وهناك نقطة صغيرة لم أتعرض لها قبل، وهي تتلخص فيما إذا كان اتباع خطوات الغير محمودا إن كان الهدف هو تتميم مشروع، ولتوضيح هذه النقطة يمكننا أن نستدل بسحنون متمم مدونة الإمام مالك بن أنس، وما يدريك، لعل الإمام سحنون قد تتبع خطوات الإمام مالك بن أنس عن قصد، فما شئت من تشبع بالروح الإسلامية الكريمة، وما شئت من كرع من حياض علوم الدين الحنيف، ومن اقتفاء آثاره وتتبع أخباره وتطبع بسماته .. إلخ، حتى يخول له ذلك التدقيق في تتميم المدونة هذا المشروع العظيم، وهذا في نظري يلزم أن يعتبر محمودا، كما يلزم في ظروف ما مراعاة مقتضيات الأمة في توجيه خطوات رهط من أفرادها حسب مقتضياتها، ولو كانت تلك الخطوات مسبوقا إليها.
وبعد هذا كله فماذا نستخلص مما ذكرنا؟ لقد أشرت آنفا إلى أن عدم اتباع خطوات الغير يفيد المجتمع أكثر مما يفيد الفرد، فهو عامل على الخلق والكشف والاختراع، وهو باعث على تكوين رجال منذ البدء، قادرين على التضلع، متسمين بالتطلع والترقي، بعيدين عن حدودية الفكر، وما دام هدف الحياة الأسمى هو الرقي الجماعي الإنساني السليم البريء، فإن هذا الهدف يجمع تلك الخطوات التي قد يسلكها جميع الأشخاص بشرط أن تكون مراقبة من طرف المثل العليا والشمائل الشريفة.
ولست أعني أن لا يتبع كل فرد في الأمة خطوات غيره، وأحرى في الشؤون العلمية، لأن هذا يضر بمصالح الأمة وحاجياتها إلى عدد كبير متخصص في فن واحد كما أشرت لذلك قبل، وإنما بقولي أجاري القيمة الخلقية والنفسية.
وفي بعض مدارس الأمم الراقية اليوم تطبق أنظمة مدرسية محمودة كاستعراض أحوال كل تلميذ على حدة قصد التأثير في شخصيته على الوجه اللائق، فتتحقق الثقة بين المعلم والمتعلم، وتوجد الصلة