دعوة الحق، س.1، ع10 /ابريل 1958 ص14
ثم قرأت أيضا في ترجمة إمام الحرمين الجويني من ذلك الكتاب انه قال: والذي نرتضيه رأيا، وندين الله به عقدا، إتباع سلف الأمة. ثم التفت إلى صاحبي فرايته خجلا، فأردت أن اكشف عنه بعض ما هو فيه، فقلت له: اعذرني يا سيدي، فأنني قليل البضاعة في الاطلاع، وإنما وقع مصادفة أن اطلعت على هذه النقول قريبا، ولذلك استحضرتها الآن، وإلا فان لي ذاكرة منخرمة.
فقال الشيخ: إن الصوفية يترجح عندهم من جهة الكشف، أن مذهب السلف أحق. فقلت: الحقيقة أن كلا المذهبين صحيح، وإنما ينبغي أن لا يصار إلى التأويل إلا عند الحاجة، والمجاز هو المسوغ للتأويل، وهو كثير، إن لم يكن، غالب اللغة العربية، فمذهب التأويل لا ناباه وان كنا نفضل عليه التفويض، وإذ ذاك استطاع الفقيه أن يستجمع قوته بعد تلك الصدمة العنيفة. فقال: إن في حاشيتي كلاما طويلا حول هذا الموضوع، ويا ليت إنها معي لأتلو منها على مسامع هذا الجهيد، ومما سقته هناك ما لا أزال استحضره من كلام ابن دقيق العبدي في هذا المقام، وهو:
(إن التأويل إن كان قريبا على ما يقتضيه لسان العرب، وتفهمه في مخاطباتهم، لا تتكره ولا تبدع قائله، وان كان بعيدا توقفنا عنه واستبعدناه ورجعنا إلى القاعدة في الإيمان بمعناه مع التنزيه) .
وقد حكيت هناك في حاشية، مثل هذا عن عز الدين بن عبد السلام.
فقلت للفقيه: هذا هو الحق الذي لا ينبغي المصير إلا إليه، وياليتني حظيت بمطالعة تلك الحاشية الطافحة بأمثال هذه النقول العليا، فاسترجع وجهه وسامته، وقال ستراها في فرصة أن شاء الله، ولو كنت اعلم أن سيدي في هذه المكانة لصاحبتها معي-كلمة تملقني بها، مقابلة للكلمة التي سكنت بها جأشه- فقلت له: الآن يا سادتي قد بينت لكم مرادي في الكيفية التي سلكنها مع حماد، فان لم توافقها عليها استبدلناها بغيرها.
فبادر الفقيه فقال: نوليك من ذلك ما توليت، يشرط أن تتولى أنت إتمام مناظرته في المؤتمر الآتي، ثم إن نجحت في طريقتك، فيها ونعمت، ثم التقت إلى الشيخ الصوفي فقال له: أو ليس هذا هو الواجب؟
فقال أي والله، فحين زعم انه لا ينقاد أمثاله إلا بمثل هذا الأسلوب، فلبثوا بنفسه الأمر إلى آخره، وحسبنا نحن أن نكون شهودا.
كذلك خرجت من هذه المناظرة الجديدة بغنم عظيم، وقد كنت أخاف كثيرا أن يفسد هذان السيدان الخطة التي سرت عليها مع حماد، أن حاولوا أن يميلوا به عن صراطها السوي، والآن بت آمنا من هذه الناحية، وسأزف هذه لإبراهيم الآن.
كانت الساعة العاشرة، فاساذنت السيدين في الخروج لارتاض قليلا، فتركت الشيخ يؤدي صلاة الضحى، وقد شغل عنها بما نحن فيه، فحين أقبلت على متجر إبراهيم متهلل الأسارير بأردني بقوله:
كيف الجلسة؟ الم تمثلوا فيها دور الملاكمين؟
فقلت له: ليس هناك إلا كل خير ونجاح، فقد فلج القدح فيها، وظهر الحق في المناظرة لمن يتطلب الحق، ثم تتبعت ذكر ما جرى حتى أتممته. فقال إبراهيم:
لا أرى حمادا إلا سيكون سعيدا، ولا أرى أسرتنا إلا ستحظي عن قريب بمؤمن جديد.
فقلت أن شاء الله بحوله وقوته وتوفيقه.
-يتبع-
قال هشام بن عبد الملك ذات يوم لجلسائه أي شيء ألذ؟ قال له الابرش بن حسان أأصابك جرب فحككته.
قال مالك: أجرب الله جلدك ولا فرج الله عنك! وكان آنس الناس به.
في ستة أيام
خطب وكيع بن أبي سود بخراسان، فقال: إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أشهر.
فقيل له: إنها ستة أيام.
قال: وأبيك لقد قلتها واني لاستقلها.