فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع10 /ابريل 1958 ص 13
بالنتيجة التي خرج بمثلها إبراهيم عليه السلام، وحماد عالم ثاقب الفكر، ألف الاعتبار، فلا تؤدي إجالة العقل من مثله إلا إلى المراد منه.
فقال: أو مثل حماد يقال فيه عالم، فهل قرأ النحو والفقه والبيان والأصول والمنطق، حتى يقال فيه عالم؟ فما أسهل العالمية إذن، حين صارت تناط بكل من يرتطن لغة غير العربية التي هي لغة الجنة، وأيضا، وان مثل حماد الذي وصفته بالعقل، إذا أردت إن تدره وعقله، ممن يصيرون إلى التجسيم والعياذ بالله، فكيف يدرك نزاهة الله الموجد للكائنات-بعد أن نفرض انه يدرك بعقله وجود الله- عن ذات مثل ذوات غيره، وعن زمان ومكان، وعن ولد وصاحبة، مما يجب أن يتنزه عنه الله تعالى، فهل تدرك النزاهة عن ذلك بالعقل المجرد، فضلا عن إدراك وجوب اتصاف الله بالكلام والسمع والبصر التي هي من السمعيات فقط، ولو كنت قرأت احد المتون معه، لعرف التوحيد دفعة واحدة، وإلا فما يؤمن أن يسبق التجسيم ومثله إلى عقله فيصعب إزالة أثره منه، وهذا هو مناط اعترافنا عليك أمس، وعلاوة على ذلك يحتاج إلى الحجج والبراهين العظيمة التي سهرت في إدراكها عيون الفحول، حتى حرروها، وجلها في أدلة التأويل لما يتبادر منه التجسيم، كالرحمن على العرش استوى، واصنع الفلك بأعيننا، يد الله فوق أيديهم، وحيث نزول الله في الثلث الأخير من الليل، فكيف يدرك حماد بعقله فقط، يا هذا، مذهب الأمام الاشعري والجويني، والرازي، والغزالي، وأمثالهم من فحول المتكلمين، فهيهات، أبعدت النجعة، واخطات السبيل
فتركت الفقيه حتى افرغ ما في جعبته من هذا الكلام الذي قفز فيه من مبحث كنا فيه إلى مبحث آخر غير ما نحن فيه، وقد عذرته لأنني اعلم كثيرين لا يألفون النظام في المناظرات، فبينما أنت معهم في المشرق، إذا بهم قفزوا إلى المغرب، ولذلك أغضبت عن غالب ما قال. فقلت له:
أن حماد إنما يهديه عقله إلى وجود الخالق للكون فقط، وأما ما وراء ذلك من الذي لابد منه فما أسهل أن يقتنع به أن حصل له أصل التوحيد الذي هو وجود الخالق جل وعلا، وأما ما لا يدركه العقل أصلا أو لا يدركه مستقلا فانه إمام، وسيتعلمه حماد بسرعة، حين يقتنع بأصل الأديان، فمتى اقتنع لان للعالم خالق فإننا نعرض عليه أصول الدين الإسلامي التي ينطوي من بينها ما يستنم به توحيده، فلا تكون من المستعجلين، فان الله يعين على الرفق ما لا يعين على الخرق، والتؤدة خصلة يحبها الله ورسوله، وما ذكر لنا الله انه خلق الكون في ستة أيام إلا لترسخ التؤدة في أخلاقنا، فننتفع بها في كل أعمالنا، والانتقال عن معتقد إلى معتقد آخر من أصعب شيء على الإنسان إلا أن يوفقه الله. وتأليف القلوب ممن يرجى إسلامهم مشروع بالكلام اللين وإطالة الرسن، بله المال الذي ينبغي أن يدفع له. ومثل حماد، يجب على المشفق عليه الراجي له خبرا، أن يستنفد كل جهوده في استنقاذه من الورطة التي ارتطم فيها المسكين كما يجب عليه سلوك طريقة سهلة لا تنفير فيها، فقد أوصى صلى الله عليه وسلم معادا ورفقه لما بعثهما إلى اليمن بقوله: بثرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، هذا صفوان احد عظماء قريش قد استمهل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح قليلا في شان الإسلام، فأمهله أكثر مما كان ينتظر، تأليفا له وطمأنة لخاطره، وتسكينا للروعة التي أحدثها فيه انهزام قومه أمام جيش الإسلام، وبمثل هذا يجب معاملة أمثال حماد، وإلا فلو خاشنهم المسلمون لابتعدوا عنهم فهلكوا في الهالكين، وأما ما ذكرته من التأويل للمتشابه، فانه وان كان إنما جاء هنا مستطردا، اعن لك أن التأويل ليس بمتعين كما يظهر من كلامك آنفا، فان التفويض أسهل واقرب لمن خالطت بشاشة الإيمان قلبه، فأين أنت من العبارة الرائجة من أن مذهب السلف اسلم، وهو التفويض؟ ولا ريب أننا لا ننشد إلا السلامة دائما، وأما التأويل، فكل من ذكرتهم ممن كانوا أساطينه، الاشعري، والجويني، والرازي، والغزالي، صرحوا بأنهم رجعوا عنه إلى مذهب السلف الأسلم.
فلم أكد أقول هذا حتى ثار الفقيه في وجهي ثورة تنافى أدب المناظرة، فقال أن هذا لم يقل به احد! فمذهب الاشعري وهؤلاء، هو التأويل، وهو المذهب الذي قالوا فيه انه اعلم، كيف يرجع الاشعري عن هذا المذهب، وهو الذي أشاد به حتى نسب له؟ كما ينسب المذهب الفقهي لمالك.
فقلت بخفض صوت وتبسم وسكون ورفق: انتظرني يا سيدي هنيهة. فأتيت من الخزانة بكتاب، ففتحت (الإبانة) التي كتبها الاشعري بيده فإذا فيها: انه لم يكن يؤول إلا مضطرا، دفعا لشبه مناوئيه من أهل العقائد الزائغة، وإلا فانه لا يعتقد إلا مثل اعتقاد السلف، احمد بن حنبل، وأمثاله.
ثم فتحت كتاب (إلجام العوام) ، في علم الكلام، وهو آخر ما ألفه الغزالي، فإذا فيه حث على مذهب السلف ومن تبعهم. ثم فتحت كتاب (النبلاء) للمذهبي، فإذا فيه في ترجمة الفخر الرازي قوله: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رايتها تشفي عليلا، ولا تروي غليلا، ورأيت اقرب الطرق طريقة القرآن؛ اقرأ في الإثبات: (الرحمن على العرش استوى) (إليه يصعد الكلم الطيب) واقرا في النفي. (ليس كمثله شيء) ، ومن حرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي.