فهرس الكتاب

الصفحة 401 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع10 /ابريل 1958 ص 12

وأما عقيدة الشيخ السنوسي رضي الله عنه وكذلك منظومة ابن عاشر فإنهما تؤديان اليوم مثل ما كانتا تؤديانه أمس، ولا عيب فيهما ولا في أساليبهما، ولمن أراد أن يسلك تلك الطريقة، وأما من أراد أن يسلك طريقة أخرى، إن اقتضاها الحال، فهل سلوكه هذا يخرق ذلك الإجماع الذي يزعمه الفقيه آنفا؟ وليت شعري كيف هذا الإجماع؟ فان كان يقصد انه لا يؤخذ التوحيد تدريسا عندنا إلا من المرشد والسنوسية، فانه غفل أو تغافل عن (البيقونية) (وإضاءة الدجنة) (وتوحيد الرسالة) وغيرهما مما لا يزال يتعاطى إلى الآن، وان كان يريد الإجماع على شيء آخر فما هو؟ والحقيقة أن إجماعات كثيرة عند هؤلاء، ينبغي أن لا تعتبر أكثر مما تعتبر إجماعات ابن عبد البر.

استفاق الشيخ في وقته المعتاد، فصار بذكر الله جهرا بأعلى صوته وقد خرج إلى الحديقة، فكان ذلك هو السبب حتى استفاق الجميع، إلا إبراهيم فانه لم يفارق مضجعه إلا في وقته المعتاد قبل الفجر بنصف ساعة، فادينا الصلاة فبقي الشيخ في موضعه مستقبلا إلى أن صلى الضحى، والفقيه يتلو أيضا سرا، ولعل متلوه اليوم هو عين ما كان يتلوه أمس، وأما إبراهيم فقد كان من عادته إذ ذاك أن ينفرد في غرفته الخاصة يتلو في المصحف، ورده الدائم، وكان يراجع أثناء التلاوة، وربما كرر ءاية يتفهمها، وقبل طلوع الشمس بقليل، أيقظ بنفسه أولاده ووقف عليهم حتى توضاوا وغسلوا رؤسهم-لأنهم على الزي الجديد كأبيهم وأمهم- ثم صلوا أمامه، وجلسوا حوله، فحكى لهم نادرة صغيرة تدل على الأخلاق، وهم يتناولون اللهنة، ثم خرج بهم حتى دفعهم إلى الخادم يوصلهم إلى المدرسة، وتلك عادته الدائمة، وعند الضحى غادر الدار إلى متجره، وتركنا وحدنا، وقد استأذن في الذهاب.

فمدت الخادم مائدة الإفطار، وفي أثنائها قال لي الشيخ: أن إبراهيم اقترح أن يحضر الفقيه سيدي احمد في مجتمع الأسرة المقبل، وحسنا فعل، لأنه نبراس العلوم، وينبوع المعارف، وشعلة الذكاء، ومجمع كل الفنون، وصفوة الأبحاث، ومراءاة النقول، فأعلنت بانطلاق واستبشار وابتهاج: إنني مسرور غاية السرور بذلك، والحمد لله على التعارف. ثم داخلت الفقيه في المحادثة، ولم أزل به حتى أوقعته في موضوع أمس، فالتفت إلي الشيخ: وقلت له: بإذنك يا سيدي نستنم مذاكرة أمس، فان المغرب دهمتنا قبل إن نستنمها. فقال: الأمر سهل، فالمذاكرة لا تأتي إلا بخير، فقلت له: لينصت لنا سيدنا حتى نأتي على آخر ما يسنح، فإنني أريد أن أباحث سيدي احمد، لعلني استثير منه بالمباحثة ما ينطوي عليه من التحقيق وذلك هو المقصود بالمراجعة فقط، فقال: قولا، فإنني اسمع.

فقلت للفقيه: إنني أمس لم افهم كثيرا من تلك المذاكرة، ما هو سبب ما عيب علي، حين دعوت إنسانا غير مؤمن بوجود الخالق إلى إجالة بصره وعقله في نفسه، وفي الذي حواليه، مما في السماء وما في الأرض لعله يهتدى من عظمة ما يرى في نظامه، وفي تمشيه على وثيرة واحدة في الحياة، سكون فحركة، حياة فموت، وجود ففناء، طلوع فغروب، عجيبا غريبا، فيدرك انه لابد له من مسكن ومحرك ومحي ومميت، وموجود ومفن ومطلع ومغرب، على نمط ما قال الأعرابي: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، والسماء ذات الأبراج، والأرض ذات الفجاج، إلا تدل على اللطيف الخبير، وقوله تعالى: (أو لم يتفكروا في أنفسهم) وقوله: وفي أنفسكم أفلا تبصرون. وقوله أيضا: (أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء) . وقوله أيضا: افرايهم ما تمنون انتم تخلقونه أم نحن الخالقون، نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون، ولقد علمتم النشأة الأولى أفلا تتذكرون، افرايتم ما تحرثون انتم تزرعونه أم نحن الزارعون، لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون أنا لمغرمون بل نحن محرومون، افرايتم الماء الذي تشربون انتم أنزلتموه من المزل أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون، افرايتم النار التي تورون انتم أنشاتم شجرتها أم نحن المنشئون نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين). إلى آخرها من غالب ءايات القرآن التي كان موضوعها بعث العقل من غفلته ليعتبر ويستبصر، فكم ءاية فيها: (لقوم يعقلون) (لقوم يتفكرون) (أن في ذلك لآيات للمتوسمين) أو لا يرى قوله تعالى: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت) ، فانه اتبع ذلك بقوله، (فذكر إنما أنت مذكر) ، مما يدل أعظم دلالة أن التذكير يكون بان تأمر بإجالة العقل في الكائنات، كما قال أيضا: (هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) ، فما هو البرهان إلا حجة العقل.

فقال الفقيه: حاشا حاشا أن نذهب إلى إنكار هذا، وإنما مقصودنا أن الإنسان إذا ترك وعقله، فانه يقع في عبادة مثل الشمس والقمر، وقد علمنا أن كثيرين من الكفار الماضين، كانوا يعبدون الشمس، ولا ريب انه لم يؤدهم على ذلك إلا النظر المجرد عن الشرع.

فقلت: أن هناك فرقا بين إنسان كان بين يديك أن تهديه سواء الصراط بالتدريج، فتقول له: استعمل عقلك في الكون لتستخرج منه أصل التوحيد، فان عقله لا يؤديه بتوفيق الله إلا إلى التوحيد ثم يستنم الباقي بسهولة، وبين إنسان غفل، أعمى البصيرة، تمثلت له عظمة مثل الشمس فوقف معها، ووقوفه معها يدل على انه أعمى البصيرة، لم يتأمل العقلاء، بل كان كالأطفال الذين تلهيهم المظاهر البراقة عن الحقائق، وإلا لعرف أن الشمس تتأثر بغيرها كما يتأثر كل ما يشاهد في السماء والأرض بغيره، ولولا كمه بصيرته لخرج

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت