فهرس الكتاب

الصفحة 400 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع10 /ابريل 1958 ص 11

العلمية فقد كان من بين الذي سمعته بيت من الزقاقية، وآخر من العمل الفاسي، وآخر من السلم، وأما إبراهيم فقد كان من عادته دائما إذ ذاك أن يكون في جناح الدار المختص بأهله، يعين أم الأولاد في إيناس صبيانها المتعددين المتقاربين في السن حتى يناموا، وكان يفتح لهم مفتاح المذياع حتى يناموا تحت رناته، وكان يرى إيناس أولاده في ذلك الوقت واجبا عليه، يؤدي به ما عليه نحوهم من الحقوق، لأنه يقضي جل النهار من أيام الأسبوع في تجارته ولا يستريح إلا الجمعة، إلا إنني اليوم لم اسمع صوت المذياع، فعلمت انه راعى شعور أخيه الصوفي المتزمت ...

وبعد العشاء جلسنا إلى مائدة العشاء، فصار رب المثوى يسائل الفقيه عن أخبار علماء إدراكهم، وقد حرص إبراهيم على أن لا تنقطع سلسلة الحديث حول ذلك الموضوع، فأدركت انه يريد أن يحول بيننا حتى لا ننتشب ثانيا في موضوع نكون فيه أيضا على طرفي نقيض.

وبعد التعشي بسرعة-والشيخ ملازم للصمت ويده وسبحته الغليظة في رنات حبة اثر حبة-قاد إبراهيم الشيخ إلى سرير نومه، كما قاد الفقيه إلى آخر في غرفة أخرى، ثم اخذ بيدي، وسار بي إلى خارج الدار، حتى جلس بي على مقعد في وسط الحديقة فقال-وهو يبتسم-: كدت تفسد علينا آنفا لو أجبت بجواب مخالف لما يقوله السيدان، الخطة التي رسمتها لألفة رجال الأسرة.

فقلت: ما كنت لأجيب إلا جوابا لابد أن يسمعه الشيخ إما اليوم وإما في أثناء المؤتمر، أو تظن أن الشيخ الذي لا يعرف إلى التوحيد إلا ما ذكره آنفا، يسكت عنا حين نحاول إقناع حماد بالطريقة التي ارتأينا إقناعه بها؟ بل الأحسن أن تكون مناظرتنا في هذا الموضوع مع الشيخ في غيبة حماد، لئلا يجد حماد في صفوفنا انشقاقا- في مبحث التوحيد على الأقل- فيردده ذلك في الحافزة بعد ما رأيناه يحاول التخلص من هوتها.

فقال إبراهيم: إذا كان الأمر هكذا، فحاول غدا أن يكون جوابك الذي اعرف كيف هو، موجها إلى الفقيه، فانه متى انخنس الفقيه ينخنس أللآخر، وسأرشح الفقيه كاقتراح مني إلى الشيخ ليحضر معنا في المؤتمر أيضا، وسيبتهج الشيخ بذلك، إن لم يكن ذلك منذ الآن هو مقصوده حين صاحبه إلينا، فيريد أن يقول لك: أن معي من يناصرني.

فقلت: كادت مرارتي حقيقة تنشق آنفا بكثرة تلك الألقاب التي تتراكم أمامي على كل من يذكرون، وبجهل أمثال هؤلاء الكيفية التي كان القرءان يدعو بها الناس أجمعين، وانه يأمرهم بتحكيم العقل بإجالته في ملكوت السماوات والأرض، والموضوع الذي لا يقول فيه أهل السنة بتحكيم العقل غير هذا المقام، والذي هو العجب منهم كونهم يصبون اللعنات على المعتزلة، ثم لا يزالون يقولون أنهم مسلمون، وهذا كله غفلة مرنوا عليها فقط، واتبع فيها التلميذ الأستاذ اتباعا أعمى، وقد انعدم المنبهون، أو فقد المنتبهون، وإلا فكيف تجوز لعنة المسلمين؟ وأما حاشية الفقيه على شرح ابن كيران التي ذكرها الشيخ وأطال في وصفها، فقد ذكرتني حكاية سمعتها من احد أساتذتي النبهاء الكبار، وكان يتندر بذكرها، قال:

ألف فلان حاشية على توحيد ابن عاشر، وكان يراها رؤية البخيل لدرهمه الوحيد، فصار يدور بها على الفقهاء يقرضون عليها، فأتاني بها فأجلت فيها بصري، فلم أر فيها تحقيقا ولا تدقيقا، ولا مدلول كل كلمة آخرها (قيقا) ، فطرحتها في جانب كتبي، فكان كلما سألني عنها اعتذر له بأنني ما كتبت عليها بعد، وأنا لا يتركني ضميري أن أقول الكذب الصراح في الكتابة عليها، فسبق إلى ذهنه إنني أعجبت بتحقيقاته وتدقيقاته فأردت أن أطاوله انتظارا للطوارئ، فاستبد بها فانسبها إلى نفسي، ارايت إلى ما يصل إليه بله بعض الناس الذين لا يفرقون بين ناس وناس؟ وفي عشية بعد ظلام الليل طرق علي الفقيه الباب، فلما خرجت قال: إنني الآن جئت لأذهب بكتابي، ولا يمكن أن اتحلحل من هنا بأية قوة حتى اذهب به، وان كان ما كان، ثم جلس أمام الباب جلسة من يريد أن يؤيد قوله، فقلت له: اتئد، فخرجت إليه بكراريس الكتاب، فناديته إلى مصباح من مصابيح الزقاق، فصرت أناوله كتابه ورقة ورقة، وأنا ألزمه إلزاما أن يتثبت في كل ورقة حتى يوقن أنها متصلة بأختها، فما زلت معه كذلك كراسا كراسا حتى تم الكتاب، فقلت له: هل هذا كتابك بنصه وفصه؟ فقال: نعم. فقلت له: لابد أن تعطيني خط يدك بأنك توصلت به تاما كاملا كما كنت دفعته لي، لان ذمتي بإقراري بأخذه عامرة بيقين، فلا تبرا كذلك إلا بيقين، فحاول أن يعتذر كأنه خجل، فقلت له: لا اتحلحل من هنا ولا تفارقني أنت كذلك، حتى تبرئ ذمتي من هذا العلق العظيم الذي لا يقوم، فمددت إليه الدواة والقرطاس، فكتب رسم التبرئة تاما كاملا، وهكذا كلت له صاعا بصاع.

كذلك هذه الحاشية، ربما لا تكون إلا صنو تلك في تحقيقاتها، ولكن هذه الطبقة معذورة غاية العذر، فمن يتطلب منها غير هذه العقلية فانه الأحمق المافون، ويكفينا منها أنها كانت خير واسطة بيننا وبين من قبلنا، واللوم كله على طبقتنا هذه، التي انفتحت المعارف أمامها ثم ترى بعض شبانها يتمشيخ، ويتجمد، ويريد أن لا يزال مقيد الفكر، وان لم يكن في الحقيقة شيخا ولا جامدا ولا مقيد فكر، وإنما كان له في ذلك مئارب.

نعود بالله من أناس * تمشيخوا قبل أن يشيخوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت