فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
منزعجين متألمين خائفين متشائمين، وقد أكون أنا واحدا من هؤلاء، ولكني مع ذلك أحس أن القلق العلمي ظاهرة من ظواهر المثالية النفسية، لولا مثاليتنا ما قلقنا.
قبل أن يحملني الجناح إلى بلدكم هذا الكريم لم أكن أتخيل أن هنا مثل هذا القلق الذي سمعت بعضه وأحسست بعضه وسمعت بعضه ولمست بعضه، كنت أظن أن إخواني العرب المغاربة -الذين استعصوا على كل أنواع الاستعمار ثلاثة عشرة قرنا كاملا فلم يستطع مستعمر من أي لون أن يقبض راحته على بلدهم إلا في نصف القرن الأخير -أبعد عن ذلك القلق الذي أحسسناه يوما ما في القاهرة، ولكني لم أكد أطأ هذه الأرض الطاهرة حتى رأيت وسمعت وشممت ولمست، وبإحساسات أخرى غير هذه الإحساسات الخمس عرفت معرفة اليقين أن في نفس كل مغربي قلقا علميا مؤرقا من أجل مستقبل العلم في المغرب ومستقبل الثقافة في المغرب ومستقبل المغرب نفسه، لأنه لا انفصال البتة بين مستقبل الثقافة ومستقبل الوطن.
وجامعة القرويين المباركة في الاحتفال بذكراها الحادية عشر من القرون هي منبع هذا القلق لأنها في هذه اللحظة نفسها تبدأ تطورا جديدا، وأراها في هذا العيد في قلق لا يكون مثله في الأعياد، وأرى المحتفلين بها في قلق كذلك لا يكون مثله في نفوس المحتفلين بالأعياد، وأسأل نفسي أهو خير أم هو شر، وأسأل عواطفي وقلبي ثم أسأل عقلي ورأيي، فأسمع جوابا يخالف الجواب، ولكني انتهي آخر الأمر إلى الاطمئنان كل الاطمئنان، لأن الأمر كما قلت ينبع من مثالية، من إيمان، من يقين، من معرفة كاملة لكل قلق بمكانه وإمكانه وأمله في نسبه، وحين يكون الأمر كذلك فهو مظهر يقظة واعية لا خوف من نتائجها.
استغرقنا الكفاح خلال قرون أربعة، وبدأ الكفاح هنا في هذه المنطقة حيث بدأ الغزو الصليبي في الأمة العربية بدأ واستمر، واستمر أربعة قرون، ثم جلا العدو مكرها أو كاد، وتحررت أرضنا، وتحرر بحرنا أو كاد وتحرر جونا أو كاد، ولكن العدو لم يجل بعد عن نفوسنا، عن ضمائرنا، لم تزل مؤثراته كامنة فينا وبعض الضوء يختزن وبعض الظلام يختزن أيضا. ولم يزل في نفوسنا ظلام مما اخترنا من عهود الاستعمار، لم تزل رواسب ومؤثرات أجيال وقرون تغطي على حقائق كثيرة لا تكاد تنكشف لنا أو للكثرة منا، فحاولنا أن نستأنف الزحف، الزحف الإنساني الذي بدأه العرب منذ بضعة عشر قرنا، وكان لا بد أن نستأنف الزحف، لا بد أن نستأنفه، لأن رسالتنا ليست لنا ولكنها للبشر عامة للإنسانية كلها، كان لا بد أن نستأنف الزحف، ولكي نستأنف الزحف يجب أن نحدد طريقنا، ولكي نحدد طريقنا يجب أن نتعرف غايتنا ولكي نتعرف غايتنا ونصل إليها يجب أن نعرف وسائلنا، وأخذنا نبحث الوسائل، وحين بدأنا التفكير في الوسائل وجدنا الخلف معقدا أشد التعقيد لا نكاد نعرف له أولا، إذا عرفنا له أولا لم نستطع أن نصل إلى آخره، كانت العقدة ملففة تلففا شديدا لا يستطيع أن يحلها إلا صاحب الصبر وصاحب العزيمة، وصاحب القوة، وصاحب الإيمان. ولم تكن جميعا أصحاب عزم ولا أصحاب قوة ولا أصحاب إيمان، ولا أعتذر إلى نفسي ولا أعتذر إليكم، إنما يمضي بنا إلى غايتنا التي نريد، أن نكون صرحاء مع أنفسنا، لا يجب أن نتجامل على حساب الحق، لم نكن جميعا مؤمنين ولم نكن جميعا أصحاب عزيمة، رأينا مظاهر أوربية أمامنا، فيها حضارة، وفيها نعمة، وفيها ترف وفيها جمال، فبهرتنا، نسينا أو نسي أكثرنا -لحظة ما- الغاية العظمى والطريق الأمثل والبدء النبيل الذي بدأته الأمة العربية، نسينا ذلك ونحن نفكر في الوسيلة، اتخذنا وسيلة أخرى، وسيلة تنبع من قاعدة مشهورة هي: الوظيفة توجه المتعلم نحو العلم الذي تتوجه إليه الوظيفة، وأقصد الوظيفة بمعناها العام.
ما هي وظيفتنا التي نتعلم من أجلها؟ هل نتعلم لنكون لأنفسنا، أو نتعلم لنكون لقومنا، أو نتعلم لنأكل ونشرب ونستمتع بالحياة، أو نتعلم لنؤثر في الحياة وندفعها إلى الأمام، هل نتعلم كعرب ومسلمين، أو نتعلم كبشر يعيشون على قطعة من أرض البشر اسمها وطن العرب؟ لو استطعنا أن نحدد لأنفسنا بدقة وظيفة المتعلم هذه، لعرفنا الوسيلة.
إن الوظيفة توجه المتعلم نحو العلم، ولكل بيئة عربية في كل قطر عربي حاجات، ومع ذلك فإننا حين نلمس بعض الخطوات التي نخطو في أقطار شتى من الوطن العربي، لا نكاد نتبين التخطيط الكامل للنتيجة التي نريد أن ينتهي إليها الخريجون.
كم طبيبا نريد، وما نوع الطبيب الذي نريد، كم مهندسا نريد وما نوع المهندس الذي نريد، كم معلما نريد وما نوع المعلم الذي نريد، كم مرشدا