فهرس الكتاب

الصفحة 803 من 5287

قوله (( بلادي التي غرق القلب فيها هياما ) )أقف عند (( غرق ) )هذه وأسأل هل تخيرها أو أجبره الوزن؟ هذا إلى ما يحتاج إليه الوزن أحيانا من وقف وقطع ليستقيم النغم، وزيادة على تفكك في الجمل وانقطاع بعضها عن بعض بما يشبه لغة الحديث اليومي، ولا أدري أهي أزمة الشاعر أم أزمة القارئ، ولكن الذي أدريه أنني أشغف بالشعر (( الملحون ) )وأطرب له واجد فيه نفحات من عبقرية أما شعر معرب وكأنه ملحون ...

فلو كثر حظ هؤلاء الشعراء من قراءة الشعر القديم، والشعر، دون سائر الفنون، أشدها اتصال ماض بحاضر، وسلم إنتاجهم من الركاكة، ولكان له بغير شك شأن آخر، فإن الشعر على أيدي هؤلاء المحدثين قد عزا آفاقا جديدة، وافتتح ميادين كانت مغلقة، وأناشيد الطنجاوي تفيض حياة وتجيش عاطفة.

فإذا تركنا أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، وقرأنا تحية الشاعر محمد الحلوي، وجدنا لديه ما افتقدناه عند صاحبه، ووجدنا أنفسنا على طريق لأحب سنة قدماؤها، وإيجاز وتركيز، وحرص على جوامع الكلم مثل قوله:

أنا بني العرب في الآلام يجمعنا

ماض مجيد وقرآن ودين نبي

وليس معنى هذا أن قصيدة الشاعر قد أسلمت كلها من ناحية الصياغة، فقد كلفته القافية عسرا في بعض الأبيات، ولقد اقترن الشعر القديم بالإنشاد في المحافل، وكذلك أنشدت قصيدة الحلوي تحية في حفلة كريمة، فكانت أشبه بالخطبة منها بالشعر الذي تجلى في المقطوعة الجميلة الرائعة التي نظمها الشاعر في (تطوان) ولعلها لم تكن مصادفة أن ترد القصيدة والمقطوعة في عدد واحد، ليثبت الشاعر قدرته، وقد أثبتها حقا، وما قلناه عن تحية الحلوي نقوله أيضا عن تحية أبي بكر اللمتوني، فقد ظهر في تلك الرصانة والإخلاص معا.

أما أصداء مصطفى المعداوي فقد زاحم فيها الشاعر بين الصور وأكثر من الاستعارات الغربية يأخذ بعضها برقاب بعض، وتأخذ برقاب القراء أيضا، حتى أنها لتشغلهم عن متابعة المعنى. وما القول في (فجر الرجاء يطل من أعلى بلادي) وهو مع ذلك (يحمل عبق الأصائل) وهذه الأصائل بدورها (مملوءة القسمات ترقص في توهجها الخمائل) وبذلك اختلط علينا الفجر والأصائل والتوهج، فلعل الشاعر فيما يستقبل يؤثر الأناة ويعيد النظر فيها كتب، فلا يسلمه إلى المطبعة فورا.

شعر قديم:

وإذا انتقلنا من شعراء المغرب المحدثين إلى قدمائه وجدنا أبا العباس الجراوي في مدائحه كما فعل المتنبي، وبذلك خسر شعره معنى واكتسب نغما، أما الأستاذ محمد بن تاويت فكان موفقا في تحقيق النص لولا الأغلاط المطبعية، ولا ذنب له.

أما سباق البربري فالشك يحوم حول شخصيته ولا يستطيع القارئ أن يحدد مدى (مغربيته) وإن نسب إلى البربر، والجهد العظيم الذي بذله الأستاذ عبد الله كنون ـ مشكورا ـ لا يرفع اللبس، ولعله، وهو الباحث الذي لا يمل، يجد قريبا ما يشفي الغليل.

القصة:

أما قصة (المهرب) فهي أيضا للأستاذ أبي بكر اللمتوني صاحب قصيدة (العودة) فيما يظهر من الاسم واللقب، وكم كنت في حاجة، وأنا أكتب هذه السطور، لأن أعرف هل هل للسيد اللمتوني مشاركة في لون آخر من ألوان الأدب غير الشعر والقصة، وما مقدار ما أنتجه من شعر وقصص، ذلك لأن الأديب فيما أعتقد لا يستطيع أن يتفق إلا في فرع واحد، فإن شارك في فنين وجب أن يكون أحدهما الأصل وثانيهما على الهامش، والمثل العامي يقول (صاحب بالين كذاب) ، ومهما يكن من أمر فقد أعجبتني قصة اللمتوني، والذي أعجبني فيها هو أن الكاتب قد تجاوب مع نفسية المهرب تجاوب من عرف أن الشر والخير يمتزجان أبدا، فابتعد عن تصوير المهرب في صورة المخلوق الشاذ الذي اجتمعت فيه رذائل الدنيا كلها، وهو ما يفعله كثير من القصاصين الناشئين.

إن أشد المجرمين عتوا لا تخلو حياتهم من جوانب إنسانية. وكذلك وجدنا (المهرب) حرصا على أن لا يزعج أمه أو زوجه، بل إنه لا يحب أن يزعج البقرة الراقدة، وقد وفق الكاتب في تصوير المواقف وكان بارعا في ختامه.

أما قصة السيد برادة فتبدو كأنها إنتاج مبتدئ لم يتمكن بعد من فنه، ولا يشفع لها أنها تصوير لخواطر تلميذ يعيش بين أحلامه وخيالاته، ولعل أسوأ ما يسيء إلى القصة عامة، قصيرة كانت أو طويلة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت