فهرس الكتاب

الصفحة 3199 من 5287

القوة والمناعة والحصانة ضد الأمراض النفسية والفكرية، وأن النعم دائما ناتجة عن الإيمان بالمنعم وإلا فإن تلك النعم تستحيل إلى نقم: وما كان الله مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. ولقد أوصى عمر جيش سعد بأن يكون حذرا من ذنوبه أكثر من حذره جيش العدو وأن تكون الخشية من النفس قبل كل شيء، فهي سبب البلايا والهزائم، وأن الإيمان والتقوى والخوف من الله كل ذلك كفيل بتحقيق النصر على العدو مع قلة عدد المسلمين وعددهم أما إذا تجرد الجيش المسلم من ذلك فقد فقد سر تفوقه وأصبح ضعيفا أمام عدوه، وفي هذا المعنى يمثل الإمام الشهيد حسن البنا: «اخرجوا الاستعمار من قلوبكم يخرج من أرضكم» .

من لهم القدرة على التضليل بحسن نية أو سوءها أكثر من لهم القدرة على القيادة الرشيدة التي تعتمد على رسالة واضحة المناهج، مشعة الجوانب شريفة الأهداف، (فالرجل الذي تهمه قيادة الحياة العامة لا يتصور الأشياء لكي يقوم بتحقيقها بل ليقولها) وينشد فيها قصائد عصماء ويتخذها مادة للكتابة والحديث والخطابة في المناسبات دون أن يكون لتلك الأشياء أي مدلول اجتماعي في ذهنه، ولقد كنا نتحدث مع بعض القادة العرب في مشاكل اجتماعية كان يجب أن تأخذ نصيبها من الدرس والعناية في العالم الإسلامي فرأيناه يتبرم من الحديث ويفر- أخيرا - من مشاركتنا، وقال في النهاية: «استبدلوا هذا الحديث بما هو خير» .. وما هو خير يا سيدي؟ إنها الجدل الفارغ والقدرة على العبث بالمثل، وإنشاء وهم المبادئ تبعا للمصالح والأغراض .. إنها في رأي مالك أخطر مؤامرة على الشعوب الإسلامية لتضليلها عن الحقائق، وإمعان السير بها نحو الإغراق في القابلية للاستعمار، لأن السياسة تستفيد من انحطاط الأفراد لانعدام المقاييس عندهم مما يسهل على المضللين، والمهرجين التلاعب بعقول الضعاف وقلب الحقائق تبعا لحقيقة الانحراف الخلقي الكامن في السياسة أو ما يعبر عنه العوام بلفظة «بوليتيك» .

وعالمنا الإسلامي مزيج من عناصر ثقافية متنافرة، فهناك رواسب قديمة فيها الغث والسمين، ولكن الملاحظ أن هذا «الخلط» في التركيب أنتج الخلط في المقاييس والسلوك، فليس ثمة انسجام لأنه ليس ثمة في الأساس اتصال طبيعي بين هذه العناصر إلى غربلتها غربله دقيقة ونقدها باستمرار لتعيين الظروف التي تعين على ملاءتها للمجتمع الذي يستعيرها وكل هذا من أجل تكوين حضارة جديدة في العالم الإسلامي تنقد الإنسانية جميعها، فالإنسانية تعيش أزمات خطيرة في عالمنا الحاضر، هذه الأزمات التي تولدت من اعتماد العالم التحضر على مبدأ القوة وتوجيه كل الإمكانيات للتسلح والتقدم في اختراع المدمرات مما جعل الحياة لا تطاق لما يحيطها من رعب واضطراب، وما ذلك إلا من انفصال الضمير عن العلم، وابتعاد الضمير عن التوجيه والقيادة، وتجريد العلم من الضمير دفع العلم إلى السير في طريق غامض يؤدي في النهاية إلى الأخطار إذ أن الغاية المثلى لم تعد هدفا للجميع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت