فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
بل أصبحت القوة تخدم نفسها وأصبح الإنسان الذي ظن أنه يسيطر على المادة خاضعا لهذه المادة عابدا لها تسخره حيث شاءت فنسي سعادته بل فقد الزمام لقيادة نفسه ليرضي هذه القوة الجبارة التي انطلقت من عقالها كمارد جبار تتحكم في مصير العالم. وأن ما تعيش فيه الإنسانية من شقاء ومن لهاث في الدروب الحياة الناشئ عن النضوب في الضمير الأوربي الذي يتزعم الإنسانية ويقودها، لأن قيادته ما تزال متأثرة بفكرة الإمبراطورية الرومانية المتشبعة بالروح الاستعمارية- فالعالم غير الغربي مترجم هناك بالأرقام والمواد الخام ووسائل استيراد الرفاهية لرجل الغرب، ولكن ضمير هذا الغربي متعفن في علاقته مع الشعوب المغلوبة على أمرها بل أن هذا التعفن أثر في علاقة الذئاب مع بعضها مما جعل خط واشنطن- موسكو يعتمد على «القوة» في حل مشاكله في حين يحتاج العالم اليوم لحل أزماته ومشاكله إلى قاعدة أخلاقية تحل محل قاعدة القوة التي دفعت بالإنسانية نحو خطر يهددها في كل لحظة مما جهلها تقترب من الفناء المحقق في لحظة خاطفة ... انقادا وسعادة. وقديما وقف رسول الله (ص) ذلك الموقف الرائع تجاه أعدائه: كفار قريش عندما اقتحم عليهم بلدهم وانتصر عليهم فلم ينتقم ولم يثار لأن أهداف الإسلام أسمى من هذه النوازع البشرية: فلقد قال (ص) : «اذهبوا فأنتم طلقاء» وقيل ذلك قال: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» ..
وهذه الفكرة التي يدعو إليها مالك بكل ما حباه الله من عبقرية وجهود- واستجابة مالك لهذه المحاولة الفلسفية العلمية كانت استجابة عميقة تخطت الغريزة والقانون إلى أعماق الأحاسيس الإنسانية، إلى جوهر الروح المتشبع بجوهر الدين، فهو لم يستهدف في محاولته الحضارية هذه عدوانا ولا انتقاما شرعيا للضحايا التي تتساقط من أنته في الجزائر وغيرها، على يد جلادي الحضارة الغربية في صورة وحشية مثيرة، وإنما يستهدف انقاد الإنسانية، بما فيها الغرب المتحضر، على يد الإنسان البسيط إنسان إفريقيا - آسيا بما لديه من رصيد أخلاقي وروحي يؤهله للقيام بهذه الرسالة الثانية التي نرى الإنسانية اليوم أحوج إليها من أي وقت مضى، لما يهددها من أخطار الفناء، ولذلك لا نرى أي مبرر لتخوفات بعضهم من قيام حضارة افريقية أسيوية لأن قيامها لا يعني هدم الحضارة الغربية، وإنما يعني تطهيرها من أسباب الفشل.
فهدف هذه الحضارة الجديدة المنتظرة إنساني بحث، يهدف إلى تكوين المواطن العالمي الذي يتمتع بكافة الحقوق الإنسانية، كما أن عليه واجبات العمل على المحافظة على هذه الحضارة وتنميتها بكل ما هو إنساني ونبيل (1)
ولهذا كان مالك يستحق جائزة عالمية بل أكثر من ذلك، وان كان أستاذنا أبعد الناس عن الشهرة وأزهدهم في بهرجة الحياة ولا يريد بفكرته وجهاده إلا وجه الله.
وأعظم جائزة يقدمها الأوربيون والمسلمين على السواء لمالك هي أن يتبعوا طريق الله التي تهدف إلى الحق والخير والجمال.