دعوة الحق، س.1، ع2 /غشت 1957 ص 20
وحيث أن أبرز المشاكل العالمية منذ بدء الخلقية حتى الآن هي المسائل الاقتصادية ومشكلة العيش فإن أدل ما يهدف إليه قانون الضمان الاجتماعي في النظرية الإسلامية - وفي النظريات الحديثة مع فوارق - هو البحث أولا وقبل كل شيء عن أنجع الطرق وأيسر السبل وأحسن الوسائل لجعل الإنسان يجد - في هنأة ضمير وهدوء فكر - مهلة كافية للتفكير الصحيح في مسؤوليات الحياة الأخرى وهي عديدة متنوعة، وما أبعد البطون الجائعة عن الإيمان بجدوى المنطق المتزن ونفعية الفكر الراجح المستقل ... و من هنا فقط كانت مشكلة العيش والاقتصاد البداية ومحور الوجود الإنساني كله ما دام وحدة جوهرية عرضية لا تقبل التجزئة أو الانقسام، وتقف القوانين الحديثة، في محاولاتها إيجاد الحلول لهذا المشكل، مواقف متباينة متعددة ومتهافتة في الأعم الأغلب، وهي لا تخرج في جملتها عن الدعوة إلى إقامة نظام مبني على توزيع الموارد الاقتصادية بين طبقات السكان في الأمة الواحدة - وهذا أحد أسباب انهيار الأنظمة الاقتصادية الحديثة - توزيعا إن لم يكن عادلا تماما فلا أقل من أن يكون عاملا على محو أبرز الفروق بين تلك الطبقات، وهادفا بالخصوص إلى إبعاد بعض الجرائم - لا كل الجرائم - التي ترتكب في غالبية الأحيان بسبب انعدام مثل هذا التوزيع ... والإسلام - وقد سبق القوانين الحديثة في وضع أحسن نظام لتوزيع الموارد الاقتصادية بين جميع سكان العالم من غير تفرقة جنسية أو لونية أو دينية، وإن يكن يرى أن إقامة نظام من هذا القبيل قد يكون ذا أثر ظاهر في تخفيف الوطأة على المجتمعات التي تئن تحت أعباء المشاكل الاقتصادية، بحكم أن قوانينها في هذا الميدان أرضية - يرى من جهة أخرى، ورأيه الصواب والحق، أن كل هذه الأنظمة التي توصل إليها علماء الاقتصاد في عالم اليوم والتي وصفت - تفاؤلا - بأنها كفيلة بمحو جميع المشاكل الاقتصادية التي ظلت تزعزع كفة الإنسان في قدرته على مواجهة ما عسى أن تحمله الأقدار من معاكسات بعيدة كل البعد عن تحقيق الغاية السامية الشريفة التي يهدف هو إليها من وراء من مثل هذا القانون؛ ذلك أن الأنظمة الحديثة تنظر إلى المشكل على أنه محض قضية مادية صرفة في حين أن الإسلام ينظر إليه على أنه أعمق جذورا من ذلك وأشمل أثرا من هذه الغاية السطحية البسيطة التي يتوخاها القانون الحديث للضمان الاجتماعي، ففي الوقت التي يتخذ مدلول هذا القانون في العرف الحديث شكلا بسيطا هو تكفل الحكومة لطائفة أو عدة طوائف من رعاياها بإيجاد العمل في دائرة ضمان المأكل والمسكن والملبس وقليل من الثقافة العامة البسيطة، إذا بهذا المضمون في قاموس الدين الإسلامي يعني في الدرجة الأولى إيجاد مجتمع متكامل من جميع الوجوه، مجتمع تعتبر فيه مضامين الضمان الاجتماعي الحديث تافهة إذا قيست ببقية الأغراض النبيلة التي لا يراها الإسلام ضرورية لوجود المجتمع المتكامل الذي يسعى دائما لتوجيه الأنظار إليها، فاحتياج الإنسان في بعض الأحايين إلى الروحانيات هو أشد بكثير من توقه إلى حصر كل همه في الماديات البحتة، ولهذا ففي الوقت الذي لا يغفل فيه الإسلام خطورة المادة وأثرها في الحياة الإنسانية تكييفا وتوجيها لا يقف مما عداها موقف المتفرج الذي لا يعنيه من الدراما إلا تناسق مناظرها وتسلسل مشاهدها دون أية التفاتة إلى المضامين والغايات التي وراءها، وإنما يدعو الإسلام في إلزام وإجبار معتنقيه والقائمين عليه إلى إقامة ضمان اجتماعي تتساوى في أهميته وخطورته الناحية المادية والروحية معا، على اعتبار أن الناحية الأولى طريق لتحقيق الناحية الثانية، ويدعو في الوقت نفسه إلى العمل الجدي على إيجاد أساس من التوازن التام والتجانس الكلي بين حاجيات المجتمع ضمن الإطار العام لمجتمع إسلامي روحا وهدفا وطرقا وغاية.
وأخيرا نقرر أن مبدأ الضمان الاجتماعي في الإسلام يتجلى في نظام الزكاة، وآخر ما يخطر ببالنا ونحن ندس أنفسنا وأفكارنا في تفهم هذا القانون الإسلامي الخطير، المفاهيم الضيقة والجامدة أحيانا والجافة في أكثر الأحايين التي يستنبطها بعض الفقهاء حين يحصرون معنى الزكاة في تلك القواعد التي وضعوها في كتبهم ورأوا في الوقت نفسه حصر مدارك الناس فيها وعدم تجاوز حدودها افتراء وتحجيرا بلا مبرر ولا سند، إذ أن كل المواقف الإسلامية في مختلف الظروف والأحوال تتمالأ في قوة خارقة على أن المراد من قانون الزكاة هو معناها الأعم الأوسع الذي يهدف كما قلنا إلى اتخاذه نموذجا حيا لبناء مجتمع ذي خصائص اقتصادية بعيدة عن الزعازع الزمنية والتيارات المتباينة التي يخضع لها - في الغالب - كل نظام لا يستمد أسسه من الله بارئ الأرض والسماوات.
ويدعونا إلى اعتبار الضمان الاجتماعي في الإسلام الذي تجسمه الزكاة نظاما ماديا وروحيا معا ما نلمسه من مواقف من هذا القبيل في حياة بناة الإسلام الأولين وما نشاهده في أعمالهم اليومية ... ويمكن أن يعتبر موقف عمر بن الخطاب من اليهودي الفلسطيني المتوله حين أخذه وعرضه على القائمين على أموال المسلمين ملزما إياهم أن يدفعوا له كامل المساعدة على اجتياز مراحل عمره الأخيرة في أمن وسلام، ومصرحا في قوة المؤمن بالإسلام على أنه عقيدة إنسانية لا تخضع لغير حيثيات الدين العليا التي تعتبر الناس سواسية أمام ?
-أنظر البقية على الصفحة 35 -
دعوة الحق، س.1، ع2 /غشت 1957 ص 35
-تابع للصفحة 20 -
رب الوجود الأعظم، مصرحا بقولته الخالدة: «أكلتم بشبابه وتتركون هرمه» ، يمكن اعتبار هذا الموقف من ابن الخطاب مثالا حيا مجسما للناحية المادية الصرفة من قانون الضمان الاجتماعي في الإسلام، ويجسم شمولية هذا القانون للناحية المادية والروحية القصة التالية التي كان عمر دائما بطلها: خرج عمر قاصدا عرفات وهو يلبي ويجأر بالدعاء والناس من خلفه يجأرون ويلبون وفجأة قطع عمر الدعاء ووجم، فما كان من الذين خلفه إلا أن أصابتهم العدوى فإذا بهم ينقطعون عن الدعاء، وسئل عمر الذي كان مأخوذا بهول صدمة الموقف عن سبب وجومه، فهل تدرون ماذا قال؟ قال عمر: وقعت عيني من بعيد على كوخ فقير وأخشى أن لا يقبل الله دعائي وهذا الكوخ قائم بيني وبين الله في الطريق، قال عمر رضي الله عنه: ووالله لئن أحياني الله إلى قابل فلن أترك على ظهرها فقيرا.
وبعد فنحن نرى أن ركن الزكاة إذا فهم فهما صحيحا، وعلى أنه أساس قويم لبناء مجتمع سليم الاقتصاد، قمين بأن يبعد عن العالم الإسلامي بل العالم كله جميع الأفكار الهدامة والآراء المتضاربة التي تجتاح في عنف وشرود المجتمعات العالمية ظنا من مبتدعها ومروجيها في آن واحد أنها خير ضمان لوصول سفينة الحياة سالمة إلى شاطئ الأمان، وما أبعد هذه المبادئ عن تحقيق هذا الحلم الجميل الذي لن يتحقق إلا بالرجوع إلى استلهام القوانين الإلهية، لأنها وحدها التي لا تقبل الخطأ أو التحريف، سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا.