فهرس الكتاب

الصفحة 3565 من 5287

ولا منقرض بل هو قائم حاضر وهو المملكة السعودية. كيف نشأت هذه الدولة في قلب الأمبراطورية العثمانية وناهيك بما كان للأمبراطورية العثمانية من الحول والطول وقد تصدت بجميع قواها الحربية والدعائية لتحطيم الحركة الدينية الإصلاحية التطهيرية التي أشرق نورها من قلب جزيرة العرب بجوار الحرمين الشريفين اللذين هما شريان الخلافة العثمانية، لان أجل ألقاب السلطان العثماني (خادم الحرمين) وزوال هذا اللقب ينذر بزوال الخلافة ثم بزوال الأمبراطورية وهو نتيجة محتومة لزوال الخلافة. ولذلك جمع الخليفة العثماني كل قواه، وعبأ جيشه العظيم تحت قيادة محمد على باشا وابنه إبراهيم باشا وزحفوا على الإمارة السعودية بعد ما شنوا عليها حملات أقلام مضللة، وتمكنوا من قتل رئيس الدولة السعودية ورئيس الأمور الدينية بعد ما أسروهما وخربوا مدينة الدرعية التي كانت عاصمة للإمارة السعودية، وظنوا أنهم قد قضوا على الحركة الإصلاحية الدينية والنهضة العربية التحريرية، فخاب ظنهم ورجعت الحركة السعودية الدينية والسياسية أقوى مما كانت عليه. ولم تزل في تقدم واتساع حتى صارت أعظم مملكة في جزيرة العرب وما يليها إلى حدود الشام والعراق. والمراد بجزيرة العرب في حديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال ... أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب ... هو الحجاز ونجد. وهو الذي عنيت بقولي السابق.

وهناك شاهد ثالث من نوع آخر على أن الإسلام قوة عظيمة معنوية ومادية لمن تمسك به بإخلاص: وهو أن جميع دول أوربا بملوكها وجيوشها غزت البلاد المقدسة فلسطين وأوقدت فيها نار حرب بينها وبين المجاهدين من المسلمين دامت مائتي سنة وختمت بهزيمة تامة لدول أوربا. ومن قابل ذلك بحال فلسطين في هذا الزمان لا يجد مندوحة من الاعتراف بأن الإسلام الصحيح قوة لا تقهر، وأن كل شعب سعد أسلافه وارتفعوا بالإسلام لن يسعد ولن يرتفع إلا بما ارتفع به أسلافه. ومن ظن خلاف هذا فهو مخدوع يخبط خبط عشواء في ليلة حالكة ظلماء ومضمون له الخيبة والخسران.

وإنما قيدت الدين بكونه صحيحا في أول المقال احترازا من الدين المبدل الذي لا يقوم على القرآن بدون تنطع بل كما فهمته العرب في القرن الأول وسيرة الرسول والخلفاء الأربعة. وأما الدين المبدل في العقائد والأخلاق والأحكام فلن يأتي بتلك الثمرة أبدا. بل قد يبلغ به التبديل والتغير إلى أن يصير شرا وضرا محضا ويأتي بعكس المطلوب. وبذلك يفسر نجاح الاستعمار وفشل الحركات الدينية التي تصدت لمقاومته. وإنما الدين الإسلامي دواء وصفه طبيب نطاسي بارع في معرفة العلل النفسية للأمم والشعوب. فمن خالف وصفة الطبيب في التركيب أو الاستعمال فمن تلك المخالفة أتى لا من الدواء، فهو صالح كما قدمنا شواهده لكل زمان ومكان إلى أن ينتهي أجل هذا النظام الشمسي الذي نعيش فيه. وفي كلام برنارد شو الانكليزي وديني الفرنسي وكارلايل وتولستوي وغيريهم من فلاسفة الغرب الأوروبي وحكمائه اعتراف صريح بما ذكرته.

وبعد هذا التمهيد والبحث المفيد نخرج بالنتيجة التالية وهي .. أن الركن الأول من ثقافة العرب الذين نحن جزء منهم وثقافة المسلمين الذين يؤلفون الأمة التي ننتمي إليها هو تعليم الدين تعليما عمليا عقديا أخلاقيا جديا من روضة الأطفال إلى آخر سنة في الجامعة. وكل ثقافة تخل هذا الركن الأساسي أو تقرره لفظيا فارغا من معناه ومن العقيدة والعمل والخلق والجد والمعلمين الأكفاء فنتيجتها صفر على اليسار.

ومن زعم أن الدول الأوربية السعيدة القوية التي مضت على سعادتها وقوتها وتعاونها وثباتها في وثباتها ونجاحها في جهادها في حربها وسلمها مئات السنين قد هجرت الدين وكان ذلك سبب نجاحها فهو لا يخلو من أن يكون جاهلا مقلدا إمعة قد استهواه الاستعمار الروحي وأفسد فطرته وتفكيره، أو عالما بالحقيقة لكنه منافق مخادع يظهر خلاف ما يعتقد جبنا وخوفا من فوات رغبة شخصية أو طمعا في رغبة جديدة تصل إليها نفسه الأمارة.

على أن دينهم ليس فيه من الحياة والقوة والمطابقة للعقل والكفالة بسعادة الروح والبدن مثل ما في ديننا.

(لغة القرآن)

وإذا تقرر أن الركن الأساسي من أركان الثقافة التي نحتاج إليها هو معرفة الدين الصحيح والعمل به والتقيد بأحكامه والدعوة إليه فمفتاح هذه الثقافة هو لغة القرآن والسنة، فبدونها لا يمكن أن نعرف هذا الكنز العظيم الذي خلفه أسلافنا من العلوم والآداب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت