فهرس الكتاب

الصفحة 3566 من 5287

الدينية والدنيوية. وهذا فرض مقدس على جميع الشعوب العربية والإسلامية وعلى قدر أدائه والتقدم فيه يكون تقدمها العام، ولا أفشي سرا إذا قلت أننا معشر المغاربة أحوج إلى هذا النوع من الثقافة من جميع الشعوب العربية لأن لغتنا العامية أصابها من الفساد ما لم يصب غيرها من العاميات. فلا يوجد شعب عربي لا يميز في كلامه العام بين المذكر والمؤنث ويا للأسف إلا الشعب المغربي إلا قليل من بواديه وقراه، ولقد جاءني طالب مغربي يدرس في الكلية العسكرية من جامعة بغداد فقال لي ما معناه .. تعسا لهذه اللغة التي تعلمناها من آبائنا وأمهاتنا، فإني قدرت على إصلاح لساني وإخراجي الحروف من مخارجها، ولكن بقي في لساني عيب كبير يفضحني كلما تكلمت في مجلس من المجلس فتلحظني العيون بنظرات الاستغراب فأذوب خجلا. ألا وهو كسر تاء المخاطب المذكر في الإفراد والجمع. أضف إلى ذلك أن كثيرا من سكان المدن يعجزون عن النطق ببعض الحروف العربية كالثاء والجيم والسين والذال والشين والظاء والتاء. ولقد اجتمعت بالأديب الكبير الأستاذ أحمد البلغيثي رحمه الله على ظهر باخرة بين السويس وجدة وتذاكرنا وتناظرنا وكان في المجلس جماعة من المغاربة منهم الأستاذ الحسن بوعياد ناظر الأوقاف بفاس وجماعة من أهل العراق فلما انفض المجلس تعجب العراقيون من نطق الشيخ البلغيثي لأنه كان ينطق بالتاء فيحدث فيها صفيرا ورخوة كالزاي الألمانية وكما لو جمعت بين التاء والسين وكان، ينطق بالثاء مثل ذلك فلم يفهموا كلامه فأخبرتهم بمكانته العالية في الأدب العربي وأن ذلك التلفظ هو الجاري في المغرب، وهذا التلفظ قد بلغ إلى تبديل آيات القرآن. فبأذني سمعت القارئ يقرأ قوله تعالى (إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ) [هود: 108] . فقلب الشين من كلمة (شاء) سينا؛ نقل القاضي عياض في كتاب الشفا الإجماع على أن من بدل حرفا من القرآن عمدا فهو كافر. وبقطع النظر عن هذا، لا تهاونا به ولكن تنزلا وافتراضا، فمن العار على أهل المغرب أن لا يعالجوا هذا الداء ويحسموا مادته ويسعوا في إصلاح المنطق. وقد قال الشاعر.

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم.

وقالت العرب .. المرء بأصغريه .. قلبه ولسانه. وتجويد القرآن فرض. قال بن الجزري في أرجوزته.

والأخذ بالتجويد حتم لازم من لم يجود القرءان آثم

لأنه به الإله أنزلا وهكذا منه ألينا وصلا

وهو أيضا حلية التلاوة وزينة الأداء والقراءة

فواجب عليهم محتم قبل الشروع أولا أن يعلموا

مخارج الحروف والصفات لينطقوا بأفصح اللغات

وأنا اقترح على وزارة الأوقاف المغربية المحترمة أن تقوم بهذا الإصلاح وتقضي هذا الفرض بإيفاد الطلبة إلى مصر ليتخصصوا في التجويد أو تأسيس مدرسة هنا لهذا الغرض وتدعو لها الأساتذة الأكفاء من مصر. ونحن في زمان بلغت فيه عناية الأمم المتقدمة بتجويد منطق لغاتها إلى حد أنها تدرس هذا الفن (فونتك) بالتصوير فتؤخذ صور الفم عند النطق بكل حرف. وتسجل ألوف الكتب الناطقة بقراءة الفصحاء للمكفوفين وغيرهم.

وسبب هذا النقص في منطق كثير من المغاربة كثرة المخالطة للأعاجم، فقد استولى المغرب على اسبانيا وبقي مختلطا معها ثمانمائة سنة، ثم هاجر كثير من مسلمي الأندلس إلى المغرب واختلطوا بأهله. وقبل ذلك كان ملوك الدول المغربية تأتي بآلاف الجنود العجم من اسبانيا إلى المغرب فيندمجون في المغاربة مع الغاية في الفصحى فأن لغاتهم العامية كانت منحرفة معوجة وبعيدة من اللغة العربية الفصحى. انظر بحث اللغة من كتاب"الإحكام في أصول الإحكام"للإمام ابن حزم. ثم جاء الاستعمار فزاد في الطين بلة، وفي الطنبور نغمة. فاستعجم الشعب المغربي واستعمرت اللغة الفرنسية والاسبانية اللغة العربية وقضتا عليها قضاء تاما. وقد انجر بنا الكلام إلى مشروع التعريب من غير قصد. ونحن مع استحساننا لمؤتمرات التعريب التي تنعقد في المغرب نرى أن التعريب له طريق آخر وهو بعث الطلبة للتمرين على مختلف الإدارات المدنية والعسكرية في البلاد العربية. وإلى أن يتم تمرين العدد الكافي من الموظفين يجب استيفاد الموظفين من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت