فهرس الكتاب

الصفحة 3567 من 5287

البلاد العربية في كل سنة عدد منهم يحل محل الموظفين العجم والمستعجمين الذين يتوجهون لطلب الاستعراب في البلدان العربية. ولا ينبغي أن يفهم أحد من كلامنا أن الشعوب العربية الأخرى قد قامت بواجبها كاملا مع لغة القرآن. فإنها مقصرة كل التقصير، ومتخلفة كل التخلف عن الأمم الناهضة في ميدان اللغات وآدابها تبعا لتخلفها في الميادين الأخرى، والمقام لا يحتمل التفصيل.

وأقترح على وزارة التربية والتهذيب المحترمة أن تختار المعلمين الفصحاء والمعلمات الفصيحات من روضة الأطفال إلى الجامعة وتلزمهم بإصلاح ألسنة تلاميذهم وإزالة ما ذكرناه من الفساد بعد إزالته من ألسنتهم أعنى المعلمين أنفسهم.

وكل تهاون بهذا النوع من الإصلاح يترك أبناء المغرب متخلفين في اللغة العربية مستعجمين. وأما العلوم العصرية واللغات الأجنبية فالأفضل أن نأخذها رأسا من أوربا وأمريكا بلا واسطة. وذلك بإيفاد البعثات من الطلبة للتعلم واستيفاد الأساتذة بقدر الحاجة والوسع. ولا ينبغي لنا أن نقتصر على شعب واحد من الشعوب الأوربية لا نتعداه، بل ينبغي لنا أن نطلب العلوم العصرية في بلدان مختلفة لنجمع خلاصة ما جد من الاكتشافات والاختراعات ونترجم ذلك بأنفسنا وننقله إلى لغتنا ونعلمه أبناءنا، ولا نبقى أسراء في يد دولة واحدة على لغة واحدة. ونحن نرى الشعوب الأوربية نفسها تتبادل الطلاب والأساتذة ولا يستغني شعب منها بما عنده من العلوم وإن بلغ الغاية في الرقي والتقدم.

وأهم شيء يجب أن نوجه إليه عنايتنا من العلوم العصرية العلوم التي تهيئنا إلى استخراج الكنوز المخزونة في أرضنا بأنفسنا ونستغلها وننعم بها ولا نبقي منها شيئا مهملا، ثم الصناعات والفنون التي نحتاج إليها في معاشنا ونستورد على الدوام منتوجاتها من الخارج. ثم إعداد الموظفين الإداريين والمهندسين والأطباء والأخصائيين في سائر الفنون. وينبغي لنا أن نراقب البعثات من التلامذة الذين يدرسون في الخارج مراقبة كفيلة بأداء المهمة التي سافروا من أجلها حتى يكون كل عائد منهم إلى الوطن قد أتم دراسته واستعداده لان يحل محل الأستاذ أو المدير أو الموظف الأجنبي ويدير عمله بنجاح لا يقل عن نجاح سلفه بل يزيد. ويجب أن نحذر من بعث الطلاب غير الأكفاء مع عدم مراقبتهم في مراحل دراستهم في الخارج حتى لا يقضوا سنين عديدة تكلفنا نفقات طائلة ثم يرجعوا بخفي حنين أو بشهادات ملفقة يحملونها، حتى إذا كلفوا بالأعمال أو الإدارة أو التعليم يظهر عجزهم وفشلهم. ويحكى أن أمبراطور اليابان لما بعث البعثة الأولى من الطلبة إلى أوربا قضوا مدة هناك على نفقة حكومتهم ثم رجعوا يحملون شهادات ليس معها معلومات تمكنهم من القيام بالأعمال التي يشغلها الأجانب في بلادهم. فلما كلفوا بتلك الأعمال ظهر إفلاسهم وعجزهم، فأمر الأمبراطور بمحاكمتهم فظهر أنهم مذنبون وحكم عليهم بعقوبات شديدة. ثم بعث البعثة الثانية وقضت المدة المعينة نفسها فلما رجعوا بشهادات معها علم وكفاءة حل كل واحد منهم محل موظف من الأجانب وقام بعمله خير قيام، وإني لأعرف رجلا درس الأدب في أوربا ثم درس في جامعة عربية من أشهر الجامعات وتخرج بشهادة الدكتور في الأدب العربي ثم أخذ يدرس أدب اللغة العربية فوصل إلى رسالة بعث بها عمر بن الخطاب إلى معاوية، جاء فيها (ولم آل جهدا في النصيحة) فقال للطلبة يا عجبا. كيف دخلت لم على الاسم (فكلمة(آل) اسم ولم لا تدخل إلا على الفعل المضارع فتحير الطلبة أيضا. ودعا بمعجم فأخذ يفتش فيه عن معنى الآل فلم يجد ما يحل المشكلة. ثم ذهب إلى كلمة (إل) بكسر الهمزة فلم يحصل على شيء. وبقيت المعضلة على حالها حتى سألني أحد أولئك الطلبة وقلت له: إن (لم) لم تنحرف عن سنتها ولم تسلك واديا غير واديها ولا ابتغت بإلفها وهو الفعل المضارع بديلا، وإنما أتي صاحبكم من تبلد الذهن وسوء الفهم وخوضه فيما لا يعنيه. وآل فعل مضارع مجزوم بحذف الواو. وهذا الفعل من الأفعال الشائعة الاستعمال، وهو موجود في القرآن في سورة آل عمران (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً) [آل عمران: 118]

وقد آن لنا أن نمسك عنان القلم، إذ لو تركناه لجرى أشواطا لا يحتملها المقام، وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت