فهرس الكتاب

الصفحة 292 من 5287

دعوة الحق، س 1، ع8/ يبراير 1958 ص15

مكانتها، ويهتم بها المسلمون غير العرب في كل بلد. ولا يزال في الأمم المسلمة غير العربية علماء وأدباء يجيدون العربية. ونهم من يؤلف فيها. ولا يزال فيهم من يهتم بنشر الكتب العربية القديمة حتى اللغة ودواوين قدماء الشعراء. لا تزال العربية معروفة مدروسة بين المسلمين ولا تزال آثارها واضحة في لغاتهم وآدابهم.

إن اللغات الأعجمية الإسلامية، أعني اللغات التي ترعرعت في هذه الأمم بعد دخولها في أخوة الإسلام الجامعة، نشأت في حضانة العربية، وشبت تستمد منها ألفاظا ومعاني وتحتذيها في أساليبها، وتشاركها في موضوعات علومها وآدابها. وهاكم بيانا موجزا في صلات اللغة العربية باللغات الإسلامية الأخرى.

نشأت اللغة الفارسية الحديثة، أي اللغة الفارسية الإسلامية في أواخر القرن الثالث الهجري. فكتبت بالخط العربي واشتملت على كلمات عربية كثيرة وحاكت العربية في موضوعاتها، وأخذت عنها اصطلاحات العلوم والآداب كلها، وموازين الشعر وقوافيه.

ولبثت العربية في إيران وما يجاورها مستأثرة بالعلوم الشرعية وغيرها إلى ما بعد غارات التتار على العالم الإسلامي في القرن السابع الهجري، والذي يقيس ما كتب في العلوم باللغة الفارسية في تلك البلاد إلى ما كتب منها في بلاد فارس نفسها باللغة العربية، يجد العربية هي لغة العلم في تلك القرون، ولا نشاركها الفارسية إلا قي قليل ضئيل من الكتب والموضوعات. اتسع مجال الفارسية في الشعر منذ نشأت، ثم في كتب التاريخ ونحوها مما هو أقرب إلى لغة الخطاب لا يختص باصطلاحات علمية أو أدبية ثم شاركت في العلوم من بعد.

والألفاظ العربية في الشعر الفارسي لا تقل عن ربع ألفاظه، وتزيد أحيانا. وهي في النثر تبلغ النصف أحيانا وتزيد عليه أحيانا. ثم أوزان الشعر الفارسي وقوافيه وكل الاصطلاحات العروض والقوافي مأخوذة عن العربية، وكذلك السجع في النثر وفنون البلاغة واصطلاحاتها واصطلاحات العلوم- وكان التقارب بين اللغتين ظاهرا في كل مل كتب. وكثيرا ما نظم الشعراء أبياتا عربية وأشطارا أثناء القصائد الفارسية وسموا هذا الضرب من الشعر، الشعر الملمع، ولا يتسع المقام للإفاضة في هذا الصدد.

وكذلكم كان تأثير اللغة العربية على اللغة التركية حين صارت لغة كتابة وأداة لتسجيل العلم والآداب منذ القرن الثامن الهجري. أثرت العربية في التركية تأثيرا مباشرا وتأثيرا بواسطة اللغة الفارسية إذ كانت الفارسية بعد العربية لغة الأدب والعلم في تركستان. لما نشأت التركية الشرقية في تركستان والتركية الغربية أعني العثمانية أخذتا من ألفاظ العربية والفارسية كثيرا.

وكان كل شاعر من كبار شعراء الفرس له مقلدوه في تركيا. وقد بلغ من تأثير الفارسية وما فيها من العربية على لغة الترك أن قاريء الشعر التركي يمر بأبيات فارسية خالصة أو أبيات ألفاظها فارسي وعربي، وليس فيها من التركية إلا علامات الأفعال أو روابط المبتدأ والخبر. والقول في استئثار العربية بأمهات كتب العلم في البلاد التي تتكلم التركية كالقول في لاستئثار العربية بالعلم في إيران إلا تركية لم تصر لغة علم وأدب إلا بعد الفارسية بخمسة قرون.

وإذا نظرنا إلى اللغة الأردية فهي أحدث اللغات الإسلامية نشأة، ورابعتها قيمة وخطرا بعد العربية والفارسية والتركية، كتبت بالخط العربي كالفارسية والتركية، واشتملت على كثير من الألفاظ العربية والفارسية وسايرت الأدب العربي والفارسي. ولا يزال أدباء المسلمين في باكستان والهند كذلك يعرفون الفارسية، ومنهم من ينظم بها، وقد نظم محمد إقبال شاعر المسلمين الأكبر في باكستان، أكثر دواوينه باللغة الفارسية وأقلها باللغة الأردية. وقد قرأت مع جماعة من أولي العلم في باكستان دواوين محمد إقبال الأردية، فلما جئنا إلى الدواوين الفارسية، وجدت كل جماعة تعرف الفارسية ومنهم من يجيدها ويقرؤها كما يقرأ الأردية واستمر الذين استمعوا دواوينه الأردية يستمعون دواوينه الفارسية. ولا تزال اللغة الأردية تستمد لغة القرآن وتأخذ من ألفاظها ويؤثر علماؤها الألفاظ العربية فيما يحتاجون إليه من المعاني والنظم المستحدثة.

ولا يزال علماء المسلمين في تلك الأصقاع يتخذون العربية لغة علم وأدب، وتعلم العربية في مئات المدارس الدينية في باكستان والهند. بل كل طفل مسلم بتعلم قراءة العربية ليقرأ القرآن.

ويدعو مسلمو باكستان إلى اتخاذ العربية لغة الدولة ولغة التعليم في الجامعات، وهم أبعد المسلمين عن العصبيات القومية التي دعت أمما إسلامية أخرى إلى إيثار لغاتهم على اللغة العربية. والله يجزيهم عن لغة القرآن خيرا. واللغات الأوربية أخذت فيما أخذت من علوم العرب ألفاظا عربية لا تزال معروفة فيها.

وكان لنا زميل في جامعة القاهرة إنكليزي جمع من معاجم اللغة الإنكليزية زهاء ألف كلمة عربية- واللغة الإسبانية أكثر لغات أروبا نصيبا من كلمات العرب وقد قال لي أحد الإسبان أن في لغتنا من الألفاظ العربية سبعة عشر في المائة.

هذا قول وجيز لم أقصد فيه إلى الاستيعاب، فإنما أردت تنبيه العرب خاصة ومتعلمي اللغة العربية عامة إلى سعة اللغة العربية وآدابها موطنا وتاريخا وإلى أثرها في لغات العالم وصلتها بلغات الأمم الإسلامية خاصة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت