فهرس الكتاب

الصفحة 481 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع11 /مايو 1958 ص 37

يرمي بنفسه من فوق كرسي وغيره من الأشياء المرتفعة ارتفاعا نسبيا، وعندما يكون الطفل بين الثالثة والرابعة من عمره تبلغ غريزة الخوف أشدها، ويقوي خيال الطفل فيجني عليه بتصور مالا وجود له البتة من الأشباح المخيفة، أو بالخطإ في تأويل ما يرى في الظلمة أو في الضوء القليل، لقلة بروزه أو بعده عن بؤرة الشعر.

والخوف الشديد الذي يظهره الأطفال من أحدهم إذا تربى بزي غريب مع كونهم يعرفون القائم بتلك المثيرات، ويدركون أن غرضه في ذلك ليس إلا محض لعب وتسلية، يدلنا على أن الخوف فطري فيهم غير مكتسب.

على أن الخوف يضعف على مر الأيام بمقدار كثرة تجارب الطفل وغزارة علمه بما يحيط به، وإذا كان من المستحيل مفارقة الخوف لبني الإنسان، فهو يتعدل ويتحول إلى خلق نافع كالحزم والحذر وأخذ الحيطة للمستقبل، على أن أحسن أنواع الخوف ذلك النوع الناشئ عن ضمير حر، وصادر عن نفس أبية تخاف القبح لقبحه، بقطع النظر عما يترتب عليه من العقاب.

ولا يمكن أن يتصف بهذا النوع من الخوف وهو الخوف الأدبي إلا الإنسان الذي يتمتع بنصيب وافر من الرقي الفردي والتقدم الاجتماعي، لأن هذا النوع لا ينتشر بين الأفراد إلا إذا اتسعت دائرة علومهم ومعارفهم، وكثرت وسائل الأمن لديهم، وعرفوا أن هناك قوانين يخضع لها المواطنون سواسية، اذ ذاك يضعف الخوف الغرزي، ويقوي الخوف الأدبي الذي بانتشاره يقوي شأن المجتمع وتعلو منزلته الأدبية.

وللخوف الغرزي مثيرات توقظه من سباته، فالمسموعات والمبصرات الغربية، كثيرا ما تثير الخوف وتبعثه لغرابتها وقوتها، مثل أصوات الريح المرتفعة، وصوت الرعد، كما أن بعض الأطفال يخافون من بعض المرئيات المنزلية كالقطط والكلاب إذا قربت منه ولو كانت لا تنوي الاضرار بهم، وليست الظلمة أقل من المسموعات في إثارة الخوف في الإنسان، بل هي من الأشياء الغربية التي توقظ هذه الغريزة أيضا.

وللأحلام المزعجة القدح المعلى في إثارة الخوف عند الطفل، إذ كثيرا ما تستولي عليه هذه الأحلام التي ليست إلا مجرد أفكاره المخيفة وذكرياته التي هي من آثار تجاربه الحقيقية أو أوهامه الخيالية الحافلة بسير العفاريت.

وبما أن الخوف من الغرائز القوية يجب على المربين أن يعتنوا به اعتناء متزايدا، وينظروا إذا كان من الممكن استخدامه والانتفاع به في ميدان التربية والتعليم، كما يجب عليهم أن يعلموا ما إذا كان من الضروري تشجيع هذه الغريزة أو إضعافها، حتى تكون مفيدة للنشء الذي تتطلب منهم التربية الحديثة بذل مجهودات جبارة في سبيل اصلاحه وتدريبه وتثقيفه وتعديل غرائزه.

وإذا كانت التربية الحديثة تحبذ دفع الخوف عن الطفل، فمن واجب المربين-قبل تفكيرهم في الأسباب التي تزيله وتدفعه- أن يبحثوا في الخوف نفسه، ليعلموا الخوف المضر فيجتهدوا في دفعه، كما يجتهد الطبيب في دفع المرض عن المريض، والخوف النافع فيشجعوه وينموه كعامل من عوامل التربية التي تصلح الإنسان وتعينه على النجاح في أطوار حياته.

هذا وقد اتضح بعد البحث المتواصل أن الخوف الذي يضر هو الخوف الشديد الذي يتجدد عند رؤية الطفل أي شيء مخيف مهما كان صغيرا، والذي يضعف الجسم، ويحدث البلادة وسوء الأخلاق، ويجعل الإنسان شقيا وجبانا متقاعدا قليل المنفعة وضيع المنزلة إلى غير ذلك من الأوصاف القبيحة التي تأبى التربية الحديثة انتشارها في القرن العشرين.

أما الخوف الضعيف المعقول، والذي يدعو الى الرزانة والتبصر في الأمور، فهو خلاف الخوف الشديد، يجب تشجيعه حينما يبلغ الطفل السن الكافية والمنزلة العقلية المناسبة، كما تشجع في الطفل غريزة حب الإطلاع.

هذا وأول ما يجب على المربين الذين ينشدون أسباب دفع الخوف عن الطفل، أن لا يلجأوا إلى تخويف الأطفال إلا عند الضرورة، ثم إذا اضطروا على التخويف يجب عليهم أن يرعوا ما استطاعوا في إزالته، وإيجاد روح التقة في نفوس الأطفال حتى لا يطول عليهم الأمد فينشأوا على الجبن والذلة.

ومن الأسباب المعينة في دفع الخوف عن الطفل، فرض مراقبة صارمة على الأطفال، حتى لا يختلطوا بمن طبعوا على الخوف والوجل، لتأثرهم السريع بقرنائهم الذين يخافون، فكما يخاف الطفل عند رؤية الأشياء المخيفة أو عند تخيلها يخاف أيضا عند ما يخاف صديقه الذي رأى وتخيل أحد المثيرات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت