فهرس الكتاب

الصفحة 482 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع11 /مايو 1958 ص 38

هذا ومن الخطأ الفاحش-ونحن نحاول دفع الخوف عن الطفل- أن نردعه في كل مناسبة أو نسخر من أعماله أو نتهكم بمجهوداته، خصوصا إذا كان يصدر منا كل هذا على مرآى ومسمع من زملائه وأصدقائه، إذ ليست السخرية والتهكم والازدراء إلا سلاحا يتسلح به من يحب قتل شخصية يحتقرها بطريق غير مباشر، والتربية الحديثة تحاول كل من يريد إصلاح الأفراد بهذه الوسيلة الرذيلة، وتطلب منه أن يصلح بالتي هي أحسن.

ولا يجمل بنا كذلك أن نقص على الأطفال الحكايات الخرافية التي يرد فيها ذكر العفاريت والجان وأعمالهم الغربية، كي لا يتجه خيالهم إلى ناحية مخيفة ضارة به، بل الواجب علينا بدل هذا، أن نقص عليهم قصص الأبطال والشجعان، ونسرد عليهم سير الأولاد المستقيمين الذين يثابرون على أعمالهم الحسنة، لنبعث فيهم روح المنافسة الشخصية وندعوهم إلى الإقدام.

كما لا يجمل بنا أن نتغاض عن أقوال الطفل، أو ألا تعبأ بما يظهره من الخوف، وما يقصه علينا من خيالاته وأوهامه، بل ينبغي لنا أن نتفاهم معه، ونحاول أن نقنعه بأنه مخطئ فيما ظنه مخيفا، ثم نجتهد في إزالة كل ما يكون سببا في خوفه، بأن نعرض عليه ذلك الشيء أو نحرضه على الذهاب إليه أو رؤيته وغير ذلك مما هو أدعى إلى زوال الخوف عنه، إذ مما لا شك فيه أن من الأسباب التي تدعو إلى زوال الخوف من الأشياء المخيفة، أن يقرب الإنسان منها ويحاول لمسها ويسلك معها نفس الطريق الذي كان يسلكه من قبل، حتى تتغير وجهة نظره نحوها، وتتكون عنده عادة الإقبال عليها، فيزول الخوف منها وتصير عنده كالأشياء المألوفة التي لا تزعج ولا تثير الخوف.

وأفضل طريقة لتبديد مثيرات الخوف عن الطفل، هي تلك الطريقة التي سلكها (روسو) حينما قام بمحاربة الخوف عن طفله: ايميل. تلك الطريقة كلها ممثلة في عرض الأشياء الغربية تدريجيا على الطفل ليألفها ويشب جسورا لا يخاف.

على أن المربين في الوقت الذي ينادون بطرد الخوف عن الطفل، ينادون كذلك بتعديه حتى يكون صالحا للإنسان، إذ كثيرا ما يحمله على النجاح في أعماله خوفه من ألم الفشل، أو من تهكم الأعداء الذين يودون الإيقاع به في نفسه وأخلاقه وكرامته.

كما أن أخلاقه قد تكون عرضة للفساد إذا لم تكون محصنة بالخوف المعتدل، ذلك الخوف الذي ملأ المصلحين غيرة على أممهم، وجعلهم يتحملون كل مكروه في تنفيذ إصلاحات يرونها مناسبة ومفيدة للإنسانية وضامنة كرامتها وكيانها.

لهذا يجب على المدرسة أن تبدد مثيرات الخوف الغرزي، وتقوي الخوف الخلقي النافع، كما يجب على المدرسين أن يعلموا أن إرهاب الأطفال من اكبر الأسباب التي تؤدي إلى قطع العلاقات الروحية التي ينادي المربون بوجوب إيجادها بين المدرس والتلاميذ. وعليهم أن يعلموا أن الخوف-رغم استعماله في العصر القديم كوسيلة يستمر بها انتباه التلاميذ- وما يزال من أشد العوائق التي تعوق الأطفال عن إدراكهم للحقائق من جهة، وإبراز ميولهم ومواهبهم من جهة أخرى.

لهذا يرى التعليم الحديث وجوب طرده عن الطفل وتعويضه بمختلف المشوقات التي تجذب انتباه التلاميذ، وتجعل التعليم جذابا ومحبوبا.

تارودانت الحسين وجاج

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت