فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع3 /شتنبر 1957 .. ص18

حياتها اليومية وجانبها الواقعي، مغمورة بنزعات الأشخاص ونفوذ الميول، ومختلف الرغبات والأهواء، - فقد انعكست على الحياة العامة للمجتمع الإسلامي- عبر القرون المتطاولة التي تعاقبت فيها ممالك وإمارات إسلامية - ظلال متعددة كان لها أهم الأثر وأبرزه في تشكيل نفسيته وعقليته، وفي توريثه كثيرا من العاهات النفسية والروحية، كانت بمثابة (روماتيزم) عقلي وروحي، شل حركة المجتمع الإسلامي، وعاق تدافعه، وجمد طاقاته الحرارية، وطوق إمكانياته الحية في أعماقه، وكان من أبرز هذه الظلال:

ظلال السياسة التي انحرف غير قليل رجال السلطة ممن بيدهم مقاود البلاد والشعوب الإسلامية الروحية والزمنية عن روحانية الإسلام واتجاهه فانعكس هذا الانحراف الزائغ على الجماهير الشعبية بظاهرتين اثنتين:

أولاهما: ردة فعل نفسية داخلية كانت بمثابة نكسة داخلية ذاتية متأتية من شعور الأفراد الداخلي أن مبادئ الإسلام قد انتكس بها الساسة على نفسها، وأن روحه الحق قد ضحلت في محيط السياسة وفي إطار القيادة المسيرة لشعوب الإسلام.

وثانيهما: انخلاق روح من الطاعة المسحورة، والانقياد الأعمى عند العامة، وخصوصا في عصور الانحطاط والتخلف، وبالتالي ظاهرة من أخلاق العبودية والاستخذاء، وميل إلى الانطوائية المتطرفة التي مقتت الحياة كلها فآثرت الاعتزال عنها، والابتعاد عن التأذي بما تعرض من انحرافات في العمل والخلق والتصرف، والاستسلام للظروف والأقدار تفعل في محيط الحياة وتخرب ما تشاء.

وظلال التشريع الإسلامي الذي لم يستطع فقهاؤه - في عصور الانحطاط المتطاولة- أن يسايروا به دائما الحياة الدائمة النمو والتطور، وأن يعطوا نصوصه وقواعده العامة التفسير المرن المتعقل الذي يجعل منه قوة قانونية متقبلة في معطيات المجتمع، وسلطة روحية نافذة تماشي المدارك، وتتفتح عليها المواهب والعقول، هذا من جهة - كما لم يستطيعوا من جهة أخرى أن ينحوا بالفقه المنحى الذي يجعله مستقلا عن تأثير الأهواء والأشخاص، ولا الوجهة التي تجعله في حماية من سلطة السياسة واستبدادها، وفي مبعدة عن سطوة المذاهب والنزعات التي كانت تريد بإلحاح أن تجر إلى ركابها رجال الشرع والدين وأن تساند أهواءها ومطامعها بموقفهم إلى جانبها، وبفتاويهم لصالحها، ولن يستطيع أحد أن ينكر الدور الذي لعبته الأحزاب والأهواء السياسية، ولعبه الملوك والأمراء في استدراج رجال السلطة الروحية أحيانا كثيرة إلى جانبهم، وكسب تأييد الدين لفائدتهم، وكيف أن ظلال هذا الاستدراج انعكست - عن غير قصد في أغلب الأحيان - في آراء كثير من الفقهاء، وفي طوايا القضايا الفقهية بصفة عامة، وقديما قيل: (الناس على دين ملوكهم) ولا تعني هذه الكلمة أكثر من هذا، أكثر من انسياق جميع الناس وفي مقدمتهم رجال التشريع في ركب السلطة القائمة، واندراجهم - بحكم طبيعة التقليد التي هي من الغرائز الإنسانية العميقة- في غمرة اتجاه ذوي السلطة والنفوذ- ويأتي تبعا لذلك انطباع مظاهر الحياة العامة للناس بآثار هذا الانسياق، وميزات هذا الاندراج بصفة من الصفات.

ومن جهة ثانية، كانت طبيعة الحياة الاجتماعية التي ينمو الفقهاء عليها ويعيشون، وبصفة أخص في القرون المتأخرة، تورثهم كثيرا من الصفات النفسية، والخلال الخلقية التي لا تلائم في أغلبها صفات المشرع الخبير، وحامي الشريعة ومفسرها الذي ينتزع من أسرار الحياة والمجتمع الخبرات والعبر والقواعد التشريعية التي يمسكها في يده فيعطي بها للشريعة اللقاح الجديد الضروري، ويفتح أمام الديانة نوافذ الحياة كلها، ليتنسم المتدينون منها نسائم الأدب والصفاء والحرية والذوق والجمال، وتتبلور أمام الأعين قيم الحياة وأهدافها الكبرى في نصاعتها ونبالتها، وبالتالي تنفتح أمام المجتمعات الإسلامية، وأمام جميع المدارك كل المجالات للتطور والتفتح والتكامل.

ومن جراء هذه العوامل التي تقاصرت بسببها مهمة الفقهاء، وتقلصت حدود رسالتهم إلى مجرد الاشتغال بأتفه الجزئيات الفقهية وبالنزعات الشخصية البسيطة التي سلكت برسالة الإسلام (التحريرية والبنائية - سبلا أخرى ملتوية ضاعت معها كل الضياع - من جراء ذلك كله، كانت الانتكاسة التي ارتكست بالتشريع وبالدين الإسلاميين عموما طيلة العصور الوسطية في كثير من مظاهر الجمود والتخاذل أورثت المجتمع الإسلامي كثيرا من العقد النفسية المربكة، وغير قليل من رذائل مختلفة في النفس والاجتماع والاقتصاد والسياسة وفي العقائد وشؤون الضمير والعواطف وعلاقات الناس بعضهم بعضا.

ومن ثم انعكست ظلال هذه الانتكاسات كلها في محيط الحياة العامة للمسلمين، سواء منها المتأتي من عواقب الاستبداد السياسي الذي نكبت به أغلب عصور الإسلام، أو المتأتي من جمود الفقهاء وانعزاليتهم عن شؤون الحياة الاجتماعية العملية للمسلمين - انعكست ظلال ذلك كله فخلفت مركبات نفسية ومعقدات مختلفة من طبيعة الاستكانة والتسليم بالمقدور، وعقيدة التقليد والذبذبة العقلية والفوضى في المبادئ والأفكار -فأصيب المجتمع الإسلامي بأدواء كثيرة في نفسه وروحه لا يزال يغالب الكثير منها حتى الآن - ونحن في غنى أن نؤكد ?

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت