فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع3 /شتنبر 1957. ص19
أن التشريع في أمة ما هو المقود الروحي الذي يقدر وجهاتها ويقرر مصايرها، وهو الذي يطبع مظاهرها طابعا يحدد اتجاهها وسلوكها ويرسم لها مناهج النفس والعاطفة والفكر والوجدان، ولذلك فإذا أردت أن ترى المستوى الحضاري لأمة فانظر إلى تشريعها والمستوى الفكري لرجال هذا التشريع.
تماسك مع التاريخ:
وفورة التعاليم الإسلامية في حرارتها إنما تأتي أقوى وأبرز ما تكون حينما يكون سطوع المبدأين الأساسيين في تعاليم الإسلام كلها قويا في عقيدة المسلمين، وإدراكهم لهما وافيا، وإيمانهم بهما خالصا عميقا:
-مبدأ التحرير، أي مبدأ الحرية في النفس، في الفكر، في العقيدة، في الضمير، في الوجدان.
-مبدأ العمل الصالح، وعقيدة التجند المدني المستمر لصالح الأمة الإسلامية والوطن الإسلامي الأكبر، بل لصالح الإنسانية كلها في وطنها كله.
وقد نبضت الحياة الإسلامية بأمثلة فأحدث من وحي هذين المبدأين حينما كانا يجدان في أوساط المسلمين تفهما وإيمانا وإدراكا، وبلغ المسلمون أوج السمو والرفعة والصفاء حينما ترادف إيمان الشعوب وإيمان السلطات الزمنية الحاكمة بهما، ثم ظلت الشعوب بعد محتفظة في أعماقها، وفي محيط أفرادها في حياتهم اليومية العادية باقتباس من روح المبدأين اللذين كانت بشاشتهما قد خالطت أعماق القلوب، وقت أن كانت سطوة الاستبداد السياسي تخنق الأنفاس وتكبت العواطف، وتقيد الفكر، وتشل الإرادات، وظل الإسلام بفضل سريانه الطلق وتمكنه من النفوس متماسكا مع التاريخ عند الشعوب، وفي أوساطها وفي واقعها اليومي البسيط، وإن يكن يهضم ويهدر في أوساطه الرسمية، وفي مدارج السياسة ومنافذ السلطات، وقد مر زمان طويل كنت لا تجد الإسلام وأنت تبحث عنه وعن صوره الحية الرائعة، إلا متى انصرفت إلى رجل الشعب المسكين في دكان مهجور قائم في زاوية مهملة أو حي فقير، أو في أعماق قرية نائية، فعنده كنت تجد الإيمان الصافي والعقيدة المطمئنة، والتصرف النبيل، والإخلاص الثابت، لمبدأي الحرية والبناء، على حين أنك تجد كلما ارتقيت إلى الطبقات العليا حتى القمة الانحلال وعاهات التملق والكياد والدس، وتحلل عقائد الارتكاز النفسي في المبادئ والأفكار.
عبرة:
إن في ثنايا تدافع التاريخ عبرا كبرى، ودروسا ثمينة مفيدة يجب أن نعرف كيف ننتزعها كما هي بأمانة وإخلاص، ونتبين من خلالها معاثرنا عبر التاريخ، ومآوي النقص، ومداخل الانحلال في نفوسنا وفي أفكارنا وفي عقائدنا، ثم نلقنها أنفسنا واثقين.
وقد مرت العصور الوسيطة الأخيرة وقسم مهم من عهود الانبعاث، والحالة العامة للمسلمين تتخبط في هوى عميقة، وتغالب من أدوائها السياسية والاجتماعية والنفسية والعقدية، مرت خلالها مبادئ الإسلام من أعظم محنة مرت بها المبادئ والأفكار، وعبرت أقسى الزعازع، وغالبت أشد التيارات والأمراض تحطيما، وأعنفها تهديما، ومع ذلك فقد كان الإسلام يحمل في مبادئه من عناصر القوة والحياة ما ضمن له الوجود والاستمرار عبر القرون، وما كفل له أن يغالب قيود الأهواء والنزعات والجمود والتقليد والانعزال كلها، فيلتفت لأول فرصة مواتية في العصر الحاضر، فتتجلى مبادئه إلى الميدان مرة أخرى في نصاعتها ونبالتها، وتتسلل إلى العقول لتفتح منها مرة أخرى آفاقا جديدة إلى الحياة، وتخترق الطريق الجديدة للإسلام فتقتعد القمة التي هي جديرة بها بين المبادئ والحضارات في العصر الجديد. وفي القسم الثالث والأخير من حديثي هذا سأعرض لدور الإسلام ومبادئه في فوز ثورتنا التحريرية ضد الاستعمار، والدور المشرف الباهر الذي لعبته السلطة الزمنية فيها بقيادة جلالة الملك الصالح مولانا محمد الخامس نصره الله.