فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 5287

دعوة الحق، السنة الأولى، العدد الثالث

دعوة الحق، س.1، ع3 /شتنبر 1957 ص1

للأستاذ السيد أبي الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية بالباكستان

نقله إلى العربية محمد عاصم الحداد

هل للإنسان بعد موته حياة أخرى؟ وإن كانت، فمن أي نوع هي؟ هذا سؤال لا يمكن أن ينتهي إلى كنه علم الإنسان، لأنه ليست عنده عين يبصر بها ويطلع على ما وراء حد الموت ولا سمع يسمع به صوته ولا آلة من الآلات يعرف بها ما فيه على وجه اليقين والتحقيق. كأن هذا السؤال خارج من دائرة العلوم التجريبية ( Sciences) ، والذي يقول مستندا إليها إن الإنسان لا حياة له بعد موته إنما يقول ما لا علاقة له بتلك العلوم، فإنها إذا كانت لا تقول بالحياة بعد الموت ولا تقر بها، فإنها في الوقت ذاته لا تنفيها ولا تجحد بها. فالحق أن الإنسان ما دام لا يجد وسيلة للعلم يقينية قاطعة لا يسعه الإنكار للحياة بعد الموت ولا الإقرار بها بموجب العلوم التجريبية.

ولكن هل من الممكن أن يجارينا هذا السلوك العلمي ( Scientifique Attitude) في حياتنا العملية؟ لعله لا يمكن، بل اليقين أنه لا يمكن أبدا؟ نعم، من الممكن من الوجهة العقلية إذا لم يكن بيدنا وسيلة إلى معرفة شيء أن نحترز من نفيه وإثباته، ولكن إذا كانت لهذا الشيء علاقة بحياتنا العملية، فلا مندوحة لنا في شأنه من أن نبني أعمالنا ومنهاج حياتنا إما على إنكاره أو الإقرار به.

ذلك بأننا إذا كنا لا نعرف رجلا ولا نريد أن نشاركه في معاملة من المعاملات فلا علينا إذا لم نحكم عليه بشيء: لا بالأمانة ولا بالخيانة. وأما إذا لم نجد بدا من مشاركة الرجل في معاملة من المعاملات، فلا بد لنا أن نشاركه إما على تقدير أنه رجل يرعى الأمانة أو على تقدير أنه رجل فيه الخيانة. وإن قلنا إننا نشاركه على تحذر وتردد، فالحقيقة أن الصورة العملية لهذه المشاركة لا تكون مختلفة عنها لو شاركناه على إنكار أمانته بالمرة، كأن هذه الحالة - حالة التردد بين إنكار شيء والإقرار به - لا يمكن أن تكون إلا في الذهن فقط. أما السلوك العلمي فلا يمكن أن يقوم على الريب والتردد، وليس له بد من الإنكار أو الإقرار.

وإذا تفكرت قليلا، عرفت أن مسألة الحياة بعد الموت ليست بمسألة فلسفية فحسب بل إنها من المسائل الأساسية التي لها صلة وثيقة مباشرة بحياة الإنسان العملية، وتتوقف عليها استقامة سلوكه الخلقي أو اعوجاه في هذه الدنيا. فإذا كنت تعتقد مثلا أن الدنيا لهي الحيوان ولا حياة لك بعد الموت، كان سلوكك الخلقي مغايرا لسلوكك لو كنت تحسب أنك بعد مفارقتك لهذه الدنيا ستقضي إلى حياة تحاسب فيها على كل صغيرة وكبيرة من أعمالك التي قدمتها في حياتك الحاضرة وأن حسن عاقبتك فيها أو سوءها إنما يتوقف على حسن أعمالك أو سوئها في هذه الدنيا. ومثل ذلك كمثل رجلين مسافرين إلى جهة الرباط، أما أحدهما فيحسب أن سفره بعد وصوله إلى الرباط، لا ينتهي فحسب، بل سيأمن فيها أيضا من مؤاخذة الشرطة والمحكمة وكل قوة يمكن أن تحاسبه على أعماله وما ارتكب من الجرائم قبل وصوله إلى الرباط، أما الآخر فيحسب أن السفر إلى الرباط إنما هو مرحلة من مراحل سفره العديدة، وهو بعد وصوله إلى الرباط سينتهي إلى أرض لا يحكمها إلا السلطان في مكتبه كتاب قد سجل فيه كل صغيرة أو كبيرة من أعماله التي جاء بها أيام وجوده في المغرب، وهو سيحاسبه عليها ولا يقضي في أمره وفي الدرجة التي يستحقها في تلك الأرض إلا حسب ما سيجد عليه أعماله من الحسن أو القبح. لك أن تقدر الآن بكل سهولة أي فرق كبير وبون شاسع سيكون بين أعمال الرجلين وأخلاقهما: لا يستعد الأول إلا للسفر إلى الرباط، وأما الآخر فلا يستعد للسفر إلى الرباط فحسب، بل يستعد كذلك للمراحل الشاقة الطويلة التي سيقطعها بعد المرور على الرباط ويفكر في مآله الذي سيصير إليه آخر الأمر.

يحسب الأول أن النفع كله والخسران كله إنما هو قبل وصوله إلى الرباط، وإذا وصل إليها فلا نفع ولا خسران. وأما الآخر فيحسب أن ليس النفع والخسران الحقيقي في مرحلته الأولى، ?

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت