دعوة الحق، س.1، ع3 /شتنبر 1957 ... ص5
يفكر في مهمة الوقف، وإذا لم يستطع أن يدرك أسرار التشريع الذي قد تصدره وزارة الأوقاف لبعث الروح التي انشئت من أجلها الأوقاف، إذا لم يستطع ذلك فقد لا يصلح لأن يلي أمر الأوقاف في العهد الجديد.
أما عن سوء الفهم لمهمة الأوقاف، فأحسب أيضا أن عهد الاستقلال كفيل بالقضاء على ما كان يغمر عقلية المسيطرين على الأوقاف من جمود وانحراف، فالاستقلال ليس حرية وسيادة فحسب، ولكنه تطور في العقلية والفهم لجميع مقدراتنا وإمكانياتنا كأمة عريقة في المجد متطلعة إلى مستقبل أمجد.
والشيء الذي أعتقده كنتيجة لتحرر عقلية الأوقاف أن الاتجاه سيسير إلى تحقيق الأهداف البعيدة من الأوقاف العامة والخاصة ولو لم ينص على ذلك «لفظ المحبس» . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات) ولم يقل بالأقوال، ولهذا فإن عمل الأوقاف في ميدان الإسعاف قد يتسع إلى إنشاء مستشفيات أو عيادات شعبية، وفي المدن والقرى الفقيرة على الأخص، لتضمن إسعاف المصابين والمرضى والحاملات والوالدات وتقديم الدواء وتعهد المسعفين والمسعفات بالإرشاد والصيانة. إن وزارة الصحة قد لا تستطيع أن تقوم بكل ما يتطلبه منها شعب مريض فقير. والأوقاف يجب ألا تقصر همتها عن هذا الإسعاف الضروري.
والإسعاف المالي ميدان فسيح للأوقاف، ولكنه ينفذ في شكل صدقة وبصورة مزرية، وأولى بإسعاف الأوقاف أن ينظم تنظيما حديثا تستفيد فيه وزارة الأوقاف من تجارب وزارة الشؤون الاجتماعية في العالم، وقد يكون ذلك عبئا ملقى على وزارة الشغل والشؤون الاجتماعية، ولكن ميدان الإسعاف أفسح من أن يسعه نشاط وزارة واحدة ميزانيتها محدودة وميدان عملها يتصل بالعمل والعمال وشؤونهم الاجتماعية أكثر مما يتصل بمقاومة الفقر وإسعاف الفقراء في غير ميدان العمل. ولعل تنسيق العمل بين الوزارتين كفيل بتحقيق التعاون في ميدان الإسعاف الاجتماعي.
أما الشؤون الدينية ورعاية المساجد وأماكن التعبد فلعل وزارة الأوقاف أكثر إدراكا للنقص الذي تبدو فيه المظاهر الدينية والمساجد وتلاوة القرآن (الحزب) بالصورة المشوهة الغريبة التي تسيء إلى القرآن والدين أكثر مما تحسن، ثم الواجبات الدينية التي يقوم بها المكلفون بالمساجد ومستواهم العلمي وخطبهم الجمعية والأجور المزرية التي تنزل بهم كطبقة اجتماعية.
وتأتي بعد ذلك المهمة الثالثة، وهي مهمة الوعظ والإرشاد، والأوقاف تضطلع بهذه المهمة، ولكني أحسبها في حاجة إلى تنظيم وإلى تحرر في الفهم. فالوعظ المهمل المضطرب لا يؤدي الغاية منه، والواعظ البسيط المتواضع علما ومركزا لا يستطيع أن يؤدي مهمته. ثم إن مهمة الوعظ يقصد منها التربية والتثقيف للذين فاتهم ركب التعليم والتثقيف، وذلك معنى رفع الأمية والتربية الأساسية في العصر الحاضر. فلم لا ينظم الوعظ والإرشاد على أساس رفع الأمية والتربية الأساسية، ولم لا تستغل المساجد ومراكز الوعظ والإرشاد للتربية الأساسية بما فيها من مبادئ الدين والخلق والصحة وشؤون الحياة العامة.
أحسب أني أشرت إلى الخطوط الرئيسية لثورة في الأوقاف ولا أقول على الأوقاف. والثورة في الأوقاف معناها النقد الذاتي للمهمة الرئيسية التي تقوم بها الأوقاف، وإصلاح هذه المهمة وتوجيهها نحو الهدف الذي كان يرمي إليه الواقفون.
والذي نعتقده أن انحراف الأوقاف عن خطتها في تونس هو الذي أوحى بالثورة عليها، ورجاؤنا أن يكون في خطة إصلاحية تهدف إلى التطور والبعث ما يغني عن التفكير في ثورة عارمة لا تبقي ولا تذر.
وأعتقد كذلك أن وزارة الأوقاف في عهد الاستقلال جديرة بأن تعلق عليها أكبر الآمال في خطة بعث وإحياء.