فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
التاريخية عن طائفة وجدت في الاسكندرية في سنة 200 كانت تسمى"الصوفية"وكانت تامر بالمعروف وتنهي عن المنكر، ولسنا نعرف عن تلك الطائفة الا اشتراكها في الاحداث الواقعة في المدينة من حروب وفتن كانوا فيها حلفاء لأولئك الاندلسيين الربضيين الذين احتلوا الاسكندرية في ذلك الوقت، ولا نعلم ما اذا كانت هذه الطائفة تدين بعقيدة روحية تسمح لنا بأن نعتبرهم صوفيين بمعنى الكلمة، على أنه ربما كانت هذه أول جماعةيطلق عليها ذلك الاسم في العالم الاسلامي، وهو أمر لا يخلو من دلالة.
وعلى أية حال فان أول صوفي كبير برز في مصر في هذه الفترة المبكرة -اواخر القرن الاني وأوائل الثالث- وهو ذو النون ثوبان بن ابراهيم المصري الاخميمي، ولا يتسع المجال للترجمة لذي النون والحديث عنه بالتفصيل ولكنا نكتفي بعرض سريع لحياته وآرائه، وانما سنقف عنده وقفة خاصة لأنه يمثل الاتجاه المصري في التصوف الاسلامي خير تمثيل، ثم للاثر العظيم الذي باشره ذو النون في تصوف المغرب والأندلس بصفة خاصة.
ولد ذو النون في اخميم بصعيد مصر في حدود سنة 180، من أصل نوبي على ما يظهر، وكان أول ما طالعه وتفتحت عليه عيناه تلك الآثار المصرية التي كانت تؤجج في نفسه الرغبة في الاستطلاع والشره الى المعرفة، ويذكر المترجمون له أنه أخذ الفقه عن إمام المدينة مالك ابن انسن وامام مصر الليث بن سعد، وهو أمر نظنه مستحيلا اذ أن مولده يقارب وقت وفاة هذين الامامين، ونعتقد ان ذا النون ما كان ليهتم كثيرا بالفقه ونواز له ومسائله، وان اهتمامه كان موجها منذ البد إلى الرياضيات الروحية، ويذكر آخرون من مشايخة في طريق التصوف فاطمة النيسابورية وسعدون واسرافيل وهما شيخان لا نكاد نعرف عنهما إلا ما ورد في ترجمة ذي النون نفسه وانه كان يكل تكوينه الروحي الى تأمله وعبادته، ولعله كان يعمل بما أوصاه به سعدون في مقبرة البصرة:
ياطالب العلم ها هنا وهنا
ومعدن العلم بين جنبيكا
ان كنت تبغي الجنان تسكنها
فلتذرف الدمع فوق خديكا
وقم اذا قام كل مجتهد
تدعوه كيما يقول لبيكا
وكان ذو النون كذلك كثير السياحات فبينما نراه بين الحقول الخضر على الضفاف إذا به بعد ذلك تائها في صحاري الحجاز، أو ضاربا في شعاب سينا أو منزويا في بعض كهوف بيت المقدس أو مصعدا في جبال لبنان، بل يحمله الظمأ إلى علوم الروح على الرحلة إلى الغرب فإذا بنا نراه في القيروان قابعا أربعين يوما على باب شقران ليستفيد منه وصية، ويوصف له عابد في تاهرت في مضي ليسأله كيف عرف الله، ولا شك في أن افريقية والمغرب بوجه عام كانت جديرة بأن تستهوي قلب هذا الصوفي بما حفلت به من عباد وزهاد ضربوا مثلا عاليا في الإخلاص له والتعبد إليه.
ولكن كلام ذي النون بدا غريبا لفقهاء مصر ومحدثيها الذين لم يعتادوا هذا الضرب من التعبيرات الصوفية فسعوا به إلى الخلفية المتوكل وحمل إلى سر من رأى إلى حضرة الخليفة فسمع كلامه وما عتم أن أطلق سراحه فانحدر إلى بغداد فأقام بها مدة مديدة ثم عاد إلى مصر.
وقد كان تأثر ذي النون بالبيئة المصرية عظيما ويبدو أنه احتك بكثير من رواسب الثقافات والديانات القديمة بهذه البلاد، وفي الإخبار المأثورة عنه كثير مما يشير إلى معرفته بقراءة ما على البرابي المصرية من نقوش وإلمامه باللغة السريانية، كما نرى في كلامه نقولا عن التوراة والإنجيل، وكلمة"الرهبانية"من أكثر الكلمات دورانا في حديثه، ومن أمثلة ذلك قوله في وصف الصوفية أنهم (رهبان من الرهبانية ملوك في العباد) ، وقد نسب إلى ذي النون الاطلاع على أسرار الكمياء لا بطريق المعالجة وإنما بطريق الإلهام والكشف، ولهذا فقد قرن بكبار الكيميائيين من أمثال جابر بن حيان، ومازالت بعض الكتب المنسوبة إليه من ذلك مخطوطة بعد، ولو أنها كتب لم تصح نسبتها إليه.