فهرس الكتاب

الصفحة 4150 من 5287

وأما تصوف ذي النون فإنه وجداني بسيط نابع من نفس فياضة المشاعر دقيقة الحس، وهو في هذا يختلف عن ألوان ذلك التصوف العقلي المعقد الذي نراه في صوفية العراق وايران، ومن أجل ذلك ذكرنا انه هو الذي يمثل البيئة المصرية في بساطتها البعيدة عن التعمق واستقامتها الراغبة عن التطرف والشطح، وهو من أجل ذلك تصوف كان من الطبيعي أن يتأثر بالحياة الروحية في غرب العالم الإسلامي ويتأثر بها.

وأشهر ما يعرف من آراء ذي النون الصوفية ما قاله حول المقامات والأحوال أي تصنيف الصوفية في درجات وطبقات لا ينبغي أن يتعدوها، ثم تصنيف احوال النفس الصوفية وانتقالها من درجة إلى درجة فوقها حتى تصل الى المعرفة الحقيقية، ولننظر الى قول ذي النون في ترتيب تلك الحوال فهو يبدأ بدرجة الخوف، ثم الهيبة، فالطاعة، فالرجاء، فالمحبة فالشوق، فالانس بالله، فالاطمئنان اليه، فاذا اطمأن الى الله كان ليله في نعيم ونهاره في نعيم وسره في نعيم وعلانيته في نعيم، أما طبقات المريدين فان حرص ذي النون على أن يلتزم كل درجته يظهر نا من هذا الخبر الذي احتفظ لنا به السراج في كتاب اللمع: وفيه ان ذا النون لما دخل بغداد اجتمعت اليه جماعة الصوفية ومعهم قوال يقول، فاستأذنوه بأن يقول شيئا فأذن لهم فابتدأ يقول:

صغير هواك عذبني

فكيف به اذا احنكا

وانت جمعت من قلبي

هوى قد كان مشتركا

اما ترثي لمكتئب

اذا ضحك العدول بكى

فقام ذو النون وسقط على وجهه والدم يقطر من جبينه ولا يسقط على الأرض، قال: ثم قام رجل من القوم يتواجد فقال له ذو النون: الذي يراك حين تقوم، فقعد، وشرح ذلك السراج فقال انه أشار إلى قيام هذا الرجل ومزاحمته لغيره بالتكلف فعرفه ان الخصم من دعواك بقيامك ليس غير الله ولو كان الرجل صادقا في قيامه لم يجلس وذلك أن المشايخ منهم -أي من الصوفية- مشرفون على أحوال من دونهم بفضل معرفتهم ولا يجوز لهم ان يسامحوهم اذا جاوزوا حدودهم وادعوا حال غيرهم.

وربما كان ذو النون من أول الصوفية الذين تكلموا عن اسم الله الأعظم الذي يتعلق بذات الله لا بصفاته، وقد أشار الدباغ والمالكي في حديثهما عن لقاء ذي النون لشقران العابد القيرواني ان هذا هو الذي أدلى إليه بهذا الاسم الأعظم الذي جعل ذا النون محيطا بأسرار الكيمياء وقادرا على الكرامات، وقد الح عليه أحد تلاميذه وهو يوسف بن الحسين الرازي لكي يطلعه على هذا الاسم فأجرى عليه ذو النون اختبارا في قصة طويلة يذكرها ابو نعيم الاصبهاني في حلية الأولياء ويتبين بعد هذه التجربة ان ذلك التلميذ لم يكن خلقيا بان يطلع على الاسم الأعظم.

والحب الإلهي يدور كثيرا في كلام ذي النون، وقد كان هذا الصوفي من أكثر في كلام ذي النون، وقد كان هذا الصوفي من أكثر من تحدثوا عن هذا الحب وفصلوا مراتبه، وحديثه في ذلك كثير متناقل في مجموعات الأدب الصوفي، وكثيرا ما كان يخرج الى شاطئ البحر اذا جن الليل فينظر الى السماء والماء ويتغنى بقوله:

اطلبوا لانسكم

مثلما وجدت أنا

قد وجدت لي سكنا

ليس في هواه عنا

ان بعدت قربني

أو قريب منه دنا

او يترنم في جوف الكعبة:

حبك قد ارقني

وزاد قلبي سقما كتمته في القلب والـ

ـأحشاء وحتى انكتما

لا تهتكن ستري اذي

البستني تكرما

ضيعت نفسي سيدي

فردها مسلما

كذلك يعتبر ذو النون منن أول الصوفية الذين اهتموا بمسألة السماع أي إدخال الغناء والموسيقى في التمارين والرياضات الصوفية وعملوا على نشرها بعد ذلك في التصوف الإسلامي، وكان رأيه في الصوت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت