فهرس الكتاب

الصفحة 4147 من 5287

منهج التفسير القديم تعديلا يناسب حكمة وروية مقتضيات الفكر الحديث. ولكن يخيل إلينا أن مارجليوث اراد بفرضه أن يفرض على المشكلة تطورا ثوريا، حين ادخل في الوقت المناسب ما يشبه (الديناميت) الذي قد ينسف كل مناهج التفسير القديم.

لقد قام إعجاز القرآن حتى الآن على البرهان الظاهر على سمو كلام الله فوق كلام البشر، وكان لجوء التفسير الى الدراسة الأسلوبية لكي يضع لإعجاز القرآن أساسا عقليا ضروريا، فلو أننا طبقنا نتائج فرض مارجليوث كما فعل الدكتور صباغ لانهار ذلك الأساس. ومن هنا توضع مشكلة التفسير في صورة خطيرة بالنسبة لعقيدة المسلم، أعني بالنسبة الى إعجاز القرآن في نظر هذا المسلم. وربما لم يكن التطور العقلي ليقصر عن دفع شبابنا الجامعي إلى ملاحظة تقادم المقياس القديم ان آجلا أو عاجلا، ذلك المقياس الذي كان يقدم حتى ذلك الحين الدليل القاطع على المصدر الغيبي للقرآن. أما بالنسبة للعقل ذي الصبغة"الديكارتية"فاية قيمة تبقى لبرهان يبدو منذئذ وقد فقد موضوعيته، وأصبح ذاتيا محضنا.

وهذا الموضوع لا يتصل بيان القرآن الذي بقى على ما هو عليه حين نزوله، ولكن بوضع المسلم نفسه.

والحق انه لا يوجد مسلم وبخاصة في البلاد غير العربية- يمكنه أن يقارن موضوعيا بين آية قرآنية وفقرة موزونة أو مقفاة من آدب العصر الجاهلي، فمنذ وقت طويل لم نعد نملك في أذواقنا عبقرية اللغة العربية، ليمكننا أن نستنبط من مقارنة أدبية نتيجة عادلة حكيمة، ومنذ وقت طويل أيضا تكتفي عقائدنا في هذا الباب بالتقليد الذي لا يتفق وعقول المتعلقين بالموضوعية. فمشكلة التفسير توضع اذن في ضوء جديد، وربما نظر اليها علماء مصر المحدثون في هذا الضوء الجديد.

ولكن يبدو أن جهود هؤلاء العلماء رغم أنها لا تغفل الجانب الاجتماعي في علم التفسير لم تحدد منهجها الكامل، فالتفسير الكبير الذي ألفه الشيخ طنطاوي جوهري إنتاج علمي أشبه بدائرة معارف، ولا ينطوي على أقل اهتمام بتحديد منهج، أما تفسير الشيخ"رشيد رضا"الذي اتبع فيه إمامه الشيخ محمد عبده فلم يضع هو الآخر هذا المنهج، فقد كان همه أن يخلع على المنهج القديم صبغة عقل جديد.

ومع أنه لم يعدل طريقة التفسير القديم تعديلا جوهريا فإنه قد خلق في الصفوة المسلمة التي تعشق التجديد الأدبي اهتماما بالنقاش الديني. ومع ذلك فمشكلة التفسير تظل خطيرة بالنسبة لاعتقاد الفرد الذي شكلته مدرسة"ديكارت"ومن جهة، وبالنسبة لمجموع الأفكار الدارجة التي هي أساس الثقافة الشعبية من جهة أخرى.

ومن المعلوم أن كل مجتمع يحتوي مشكلة أفكار دارجة تحرك الجماهير، كما يحتوي مشكلة أفكار علمية تخص المثقفين، وكما أن هذه تحدد لدى القادة والعلماء حلولا نظرية لبعض المشكلات، فإن تلك تحدد السلوك العلمي للجماعات ازاء هذه المشاكل التي تصادفهم في الحياة، ففي العالم الإسلامي توجد الآن طبقة مثقفة مقتنعة بحركة الأرض، ولكن هناك جمهورا كبيرا من الدراويش، وشعبا من الجهال من كل نوع يصر على اعتقاده"بأن الأرض ساكنة تحملها العناية على قرن ثور"وهذه الفكرة الدارجة قد تؤثر في توجيه التاريخ أكثر من الفكرة العلمية، لأنها تستند إلى خرافة مفسر غير موفق يرى الأرض على قرن ثور، ولنأخذ على ذلك مثالا:"البوصلة ومقياس الزاوية"فعلى الرغم من أنهما من إنتاج أفكار المسلمين الفنية، فان العالم الإسلامي لم يستخدمها مثلا في اكتشاف أمريكا، لأنه كان مشلولا آذاك عن التقدم العقلي والاجتماعي بأفكار شعبية ميتة. أليست هذه هي المأساة التي أراد الغزالي أن يعبر عنها في بيته المشهور:

غزلت لهم غزلا رقيا فلم أجد

لغزلي نساجا فكسرت مغزلي

ان مشكلة التفسير القرآني على أية حال هي مشكلة العقيدة الدينية لدى المتعلم، كما أنها مشكلة الأفكار الدارجة لدى رجل الشارع. ومن هاتين الوجهتين ينبغي أن يعدل منهج التفسير في ضوء التجربة التاريخية التي مر بها العالم الإسلامي. وبالتالي فإذا كانت هذه السباب التي قدمناها تدل على ضرورة هذا التعديل فهناك أسباب أخرى تدل على ضرورة هذا التعديل فهناك أسباب أخرى تدل على محتواه، أعني على صورة المنهج الذي يجب أن نسلكه في مشكلة الإعجاز.

يتبع

القاهرة: مالك بن نبي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت