فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وعن هذا الطريق أوغل الاستشراف في الحياة العقلية في البلاد الإسلامية، محددا بذلك اتجاهها التاريخي إلى درجة كبيرة.
تلكم هذه الأزمة الخطيرة التي تمر بها ثقافتنا الآن، مثيرة هنا وهناك صدى مناظرات مدوية، كما حدث في مصر بين الدكتور زكي مبارك والدكتور طه حسين، حيث عبرت مناظرتهما في أنشودة أدبية يهزها الحماس عن المأساة الحديثة للفكر الإسلامي.
ولكن لهذه الأزمة العامة مظهرا يهم موضوع دراستنا هذه، وأعني به تأثير دراسات المستشرقين على الفكر الديني لدى شبابنا الجامعي، الشباب الذي يتجه إلى المصادر الغربية، حتى فيما يخص معارفه الإسلامية الشخصية، سواء أكان هذا الاتجاه ناشئا عن افتقار مكتباتنا أم لمجرد التجانس والقرابة العقلية.
لقد نضبت فعلا المصادر المحلية من كنوزها الثقافية، مولية وجهها شطر المكتبات الأهلية في أروبا، والحق أن مصر قد بذلت جهدا عظيما كيفما تضع في متناول الفكر الإسلامي أدوات جديدة للعمل وذبك بما أتيح لها من مطابع حديثة، وعمل جاد اضطلع به شبابنا الفتي المتعلم ولكن هذا الجهد نفسه يعيش في كنف الدهاء الإداري الموروث من عهد الاستعمار.
وأيا ما كان الأمر، فإن الشباب المسلم المثقف في بعض ديار الإسلام يرى نفسه مضطرا إلى أن يلجأ إلى مصادر المؤلفين الأجانب خضوعا لمقتضيات عقلية جديدة، ولعله يقدر إلى حد كبير منهجها الوضعي الديكارتي، حتى أننا نجد قضاة وشيوخا معممين يتذوقون فيها رشاقتها الهندسية.
وهذا كله لا غبار عليه لو اقتصر الاستشراف بمناهجه على الموضوع العلمي، ولكن الهوى السياسي الديني قد كشف عن نفسه أحيانا وبكل أسف في تآليف هؤلاء المتخصصين الأوربيين في الدراسات الإسلامية، رغم أنها تدعو إلى الإعجاب حقا.
فلم يكن الأب لامانس R.P.Lamance المثل الفريد للمستشرق الطاعن على الإسلام ورجاله، والحالة الوحيدة التي يمكن أن نلحظ فيها العمل الصامت لتقويض دعائم الإسلام، فقد كان لهذا الرجل (الشاطر) عل الأقل -فضل في الكشف عن بغضه الشديد للقرآن، ولمحمد صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن العمل في ظل هذا التعصب الصاخب خير من تلك الميكيافيلية الصامتة المستهجنة التي اتبعها مستشرقون آخرون، متسترين بستار العلم.
ومن العجيب ان نذكر ما تتمتع به هذه الأفكار الحمقاء من مجاملة، ولا س) aيما في مصر عندما تصدرها جماعات الغرب، وأصدق مثال على ذلك وبلا جدال -الفرض الذي وضعه المستشرق الانجليزي"مارجليوث"عن (الشعر الجاهلي) ، فقد نشر هذا الفرض في يوليو عام 1925 في إحدى المجلات الاستشراقية، وفي خلال عام 1926 نشر"طه حسين"كتابه المشهور (في الشعر الجاهلي) ، فهذا التسلسل التاريخي معبر تماما عن تبعية بعض قادة الثقافة العربية الحديثة للأساتذة الغربيين (*) .
وربما لم يكن فرض"مرجليوث"ليحتوي على شيء خاص غير عادي لو أنه حين نشر لم يصادف ذلك الترحيب الحار من المجلات المستعربة، ومن بعض الرسالات التي تقدم بها دكاترة عرب محدثون، حتى لقد كسب هذا الفرض قيمة"المقياس الثابت"في دراسة الدكتور صباغ عن"المجاز في القرآن"، فقد رفض هذا الدكتور رفضا مقصودا مغرضا الاعتراف بالشعر الجاهلي كحقيقة موضوعية في تاريخ الأدب العربي.
فالمشكلة بوضعها الراهن - إذن تتجاوز نطاق الأدب والتاريخ، وتهم مباشرة منهج التفسير القديم كله، ذلك المنهج القائم على المقارنة الأسلوبية معتمدا على الشعر الجاهلي كحقيقة لا تقبل الجدل.
وعلى أية حال، فقد كان من الممكن أن تثور هذه المشكلة تبعا للتطور الجديد في الفكر الإسلامي، وانما بصورة أقل ثورية لأن ضرورات التطور تقضي بتعديل
(*) ذكرنا هنا فرض مرجليوث لكي نبرز امام القارئ المسلم ضرورة تطبيق منهج تحليلي جديد في تفسير القرآن، ويستطيع القارئ ان يدرك قيمة هذا المنهج القائم على دراسة الظواهر ( La Phenomenologie) وعلى طرق التحليل النفسي وسيدرك أيضا اننا لا ندرس آراء مرجليوث او من يتلمذ عليه مثل"طه حسين"، وانما نريد به دراسة"الظاهرة القرآنية".