فهرس الكتاب

الصفحة 4367 من 5287

في جزيرتها لغة العالم الجديد المقدسة، يحرص على دراستها وإتقانها والتفنن في علومها وأدبها كبار الأذكياء في العالم وتصبح معرفتها والتفقه فيها واجبا من واجبات الدين وشعارا من شعائر المتدينين لا يبلغ بغيرها رجل إلى ذروة الشرف ولا يقلد منصبا من المناصب في القضاء والفتوى والتعليم.

وإذا تساءلنا ما هو اليوم الذي تجدد فيه الأمل في الإنسانية ومستقبلها، وغلب التفاؤل على التشاؤم المؤسس على المآسي والمهازل التي قام بها الإنسان في كل بقعة من بقاع البسيطة وفي كل امة من الأمم، والمؤسس على سخافة الإنسان في العقل والعقيدة والعلم، ومحاولته لتدمير المدينة وإبادة الإنسانية حتى يئس الإنسان نفسه من مستقبله وحرم نفسه حق البقاء وجدارة الحياة واستحق العقوبة العاجلة وانقراض الجيل الإنساني، ولكن بطلوع فجر هذا اليوم استحق أن يفسح في اجله، ويمد في حياته، ويعتمد عليه في بناء المجتمع الجديد، وفي أحياء ما أندرس من الفضائل والمعاني السامية\ن وفي إعادة كرامة الإنسان إلى الإنسان، وفي الأخذ على يد الظالم والانتصار للمظلوم، وفي الحياة الجديدة التي تليق بشرفه وتتفق مع غاية خلقه ومع أهداف هذا الكون، وكان هذا اليوم تمديدا لحياة الإنسان على هذا الكوكب وفرصة جديدة له في البقاء والازدهار يدين لهذه المنة كل من ولد بعد هذا اليوم، وكل من عاش في العصر الذي يليه.

كان الجواب من غير نزاع ومن غير تردد: هو اليوم الذي ولد فيه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب انب هاشم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم.

انه هذا اليوم الذي وجدت فيه الإنسانية الإيمان الذي فقدته وأفلست فيه من مدة طويلة، الإيمان بظاهر هذا الكون ووحدانيته، والإيمان بمصيرها وبالعبث بعد الموت بعد ما يئست من مستقبلها وتهالكن على هذه الحياة وعبادة الشهوات، والإيمان بسلسلة الرسل وهداة السبل، بعد ما تسلط عليها الدجالون المحترفون الذين يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله، والإيمان بقيمة الإنسان وكرامته بعدما أنكرتها وثارت عليها وامتهنتها أمام الأحجار والأشجار، والحيوانات والأنهار، والملوك والأمراء، والأغنياء والأقوياء، فأصبحت تؤمن بان الدنيا خلقت لها وأنها خلقت لله، وان لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى، كل بني آدم من آدم وآدم من تراب، وأصبحت تؤمن بالحقوق والواجبات، فلكل حق وعليه واجب، وليكن رفيقا في المطالبة بحقه مقتصدا في التمتع به، قويا نشيطا في أداء واجبه «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» والنساء شقائق الرجال ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، إلى آخر ذلك من التعاليم المتزنة والتوجيهات الحكيمة التي جاب بها محمد (ص) ، وبفضلها وجد المجتمع الرشيد السعيد الفاضل الكامل الذي لا يوجد له نظير في التاريخ، وعلى أساسها بقوم هذا المجتمع في كل عصر ومصر، وفي كل زمان ومكان.

ولم يكن في هذا اليوم ظهور لهذه المبادئ وتعريف بهذه التعاليم المتزنة والتوجيهات الحكيمة فقد كان ذلك مرارا في فترات مختلفة من الزمان- وان لم تكن في هذا الطور الكامل- وكانت صيحات ترتفع حينا بعد حين ثم تغيب في دياجير الظلام ويبتلعها المجتمع الفاسد لأنه ليس وراءها فرد يجازف لأجل ذلك بحياته وأسرته وكل ما يتمتع به من شرف ومركز ومتعة، ولم يكن ورءاها جماعة تراهن في سبيل ذلك لكل ما تملكها من حاضر أو تؤمل فيه من مستقبل، ولكن البعثة المحمدية كانت مقرونة ببعثة امة جديدة، امة تعيش لهذه الدعوة المقدسة وتعيش على هذا الجهاد المقدس «كنتم خير امة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله» امة تهب نفسها لهذه الدعوة وتربط حياتها بحياتها.

ويتزعم هذه الأمة الجديدة الخالدة- التي نيطت بها هذه الدعوة- العرب الذين آمنوا بصاحب هذه الرسالة الجديدة بصدق وإخلاص ووضعوا أيديهم في يده وحكموه في نفوسهم وأموالهم وأملاكهم واخضعوا لع رغباتهم وإراداتهم فكانوا أصحابه الأولين وجند الله المنورين وحملة هذه الدعوة وأمناءها ورسلها وأصحاب النصيب الأوفر في فقهها ووعيها والاستماتة في سبيلها وتحمل الخسائر والنكبات لأجلها حتى ارتبط مستقبل هذه الدعوة بمستقبلهم، وبقاؤها ببقائهم حتى استطاع الرسول وساغ له أن يقول في ساحة بدر (اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد) .

ومكن الله لهؤلاء العرب في الأرض، وأعزهم بعد الذل، وأغناهم بعد الفقر، وقوامهم بعد الضعف ووحدهم بعد الفرقة وأسبغ على لغتهم المحصورة في جزيرتهم القداسة الدينية، وكتب لها الانتشار في العالم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت