فهرس الكتاب

الصفحة 868 من 5287

6 ـ وحدة المناخ:

من الغريب أن جميع البلاد العربية تخضع لمؤتمرات مناخية هي مؤتمرات البحر الأبيض المتوسط، ففي السعودية أو سوريا أو العراق أو مصر أو المغرب نجد أن وقت الأمطار هو الشتاء (مع بعض الشذوذ في اليمن والسودان) وإن الجفاف والحرارة يعممان في الصيف، وإن الرطوبة قليلة بصفة عامة، هذا بينما نجد بلادا كالولايات المتحدة أو الإتحاد السوفيتي أو الهند تخضع لمؤتمرات مناخية شديد التباين فهناك مناطق يلجئ سكانها إلى البيوت ويقبعون إلى جانب المدافيء بينما ينعم آخرون بمياه البحر المنعشة.

7 ـ وحدة الحياة:

إن وحدة المناخ وتركز الأمطار في الشتاء يجعلان شروطا نباتية وحياتية واحدة تسود في الوطن العربي كله تقريبا، ومن المعروف أن بلاد المتوسط أو البلاد العربية هي موطن (النباتات الروحية) ، كما أنها بلاد الكروم والزيتون والنخيل، فلا نكاد نجد المنظر التقليدي للواحة والجمل إلا هنا، وإن أهم مشكلة يشعر العربي بواطئتها هي نقص المياه ولا نجد فرقا في ذلك بين فلاح سوسي وفلاح حمصي.

الحضارة العربية:

إن الحضارة العربية غنية ومبدعة لأنها متنوعة المشرب، واسعة المنابع وقد كانت محدودة في المقومات والانتشار طيلة أحقاب كثيرة، ولكنها برزت منذ مطلع التاريخ وظهرت براعمها فيما بين النهرين وشمال سوريا ووادي النيل والجنوب العربي، وتفرجت عبقرية وإشراقا مع الإسلام وسنعرض باختصار لعناصر هذه الحاضرة التليدة.

اللغة العربية:

لقد خضعت اللغة العربية لتطور كبير منفصل، ولكنها برهنت في كل زمن ومكان عن مقابلتها لهضم مختلف الثقافات التي عايشتها، وإن وجود بعض الجزر اللغوية في البلاد العربية كالسريانية والقبطية والبربرية لا يمكن تعليله إلا بأسباب تاريخية بحتة، وليس أدل على ذلك من أن اللغة السريانية تكاد تنقرض اليوم بعد استتباب الأمن وانتشار وسائل المواصلات.

وعلى الرغم من كل ذلك فليس يوجد في العالم شعب يمثل هذه الضخامة ويتكلم لغة واحدة ذات أصل واحد، فهذه الصين والهند وروسيا تقوم دليلا على إمكانية قيام الانسجام بين الشعوب تتلكم لغات متعددة، فما بالنا بالشعب العربي الذي تتماثل جميع مقوماته كعنصر واحد.

ومهما يكن الأمر فاللغة العربية هي لغة الإسلام.

التوسط الحضاري:

ولقد كانت بلاد العرب جسرا مرت عليه مختلف الحضارات، والتقت فيها وطبعت بسيمائها، كما كانت مركزا تألقت فيه حضارات أصلية فالفنيقيون في لبنان وتونس والمغرب نقلوا الحضارة العربية إلى أوربا وأساطيل الحميريين والتبابعة وصلت إلى الشرق الأقصى، ودقت الجيوش العربية أبواب سيبريا والصين، ولابد من الاعتراف بأن الحضارة الحديثة تدين بمقوماتها وأصولها إلى العرب إذ أن مدارس سالرنو والأندلس وفاس وحملات الصليبيين والرحالة، حملت جميعها نفحات الإبداع والعبقرية للعرب.

فموقع الوطن العربي فرض عليه أن يكون موجها وطابعا، وعندما كان العرب يتوفرون على القوة والمنعة كانوا يقيمون التوازن بين مختلف الحضارات ويكبحون من جماح الشعوب المتأخرة، وعندما ضعف العرب نتج عن ذلك اصطراع الرومان والفرس وانطفاء الجذوة الأندلسية وهجوم القبائل المتوحشة الأسيوية واحتلال البلاد أخيرا بجيوش تركية وغربية.

فإذا كان لابد للعرب أن يعودوا إلى دور الحكم والموجه، وإن يحافظوا على صفة التوسط وحفظ التوازن، إن يعيدوا بناء قوة عتيدة جبار فإن عليهم أن يعلموا لوحدتهم هذه الوحدة التي هي نداء الفرون وصوت الأرض وتأجج العاطفة.

محمد الغربي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت