فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
حول أصل العالم ووضعية الأرض بالنسبة للكواكب الأخرى، ثم انتبه المفكرون الفلاسفة إلى أن المنطق الكنيسي بصفة عامة منطق متحجر غير خلاق ولا بناء، وما كاد يصل القرن الثامن عشر حتى احتدم النقاش والنزاع بصراحة لامواربة فيه ولا رياء فتراه خفيفا لاذعا على لسان «فولتير» تارة وتارة أخرى شديدا قاسيا على يد المدرسة الاشتراكية الفرنسية وصاحبها «سان سيمون» ، وفي آخر هذا العصر اندلعت الثورة الفرنسية وأطيح بعرش الملكية وإتباعها وكان أقرب المقربين إلى النظام الفاسد رجال الكنيسة وأرباب اللاهوت وهنا كانت الحرب حامية بين الثوار المتحررين الذين يمثلون أفكار روسو الجديدة والروح العلمية المنطلقة وبين الجمود والتقهقر المجسم في رجال الدين، وانهزام الكنيسة أعقبه فصل بين السلطة المدنية والسلطة الدينية وأبعاد الكنيسة عن النشاط الاجتماعي الحي.
وفي حقل العلوم نلاحظ تحولا هاما في أساليب البحث وفي طريقة استخلاص الحقائق اذ أن الحقيقة في هذا المجال أصبحت تخضع لمقاييس الحواس والتجريب ونشأت فكرة القانون العلمي الذي يؤدي إلى حتمية الأحداث، وبفضل هذه الروح الواقعية في العلوم حصل التقدم الهائل في شتى الميادين ولم تستطع الأديان أو المسيحية بعبارة أدق أن تجاري التيار أو أن تبدل من طريقة نظرتها للوجود بل كثيرا ما نراها تقبع في محيطها الضيق ولا ترد عنها التهم ردا ايجابيا فازدادت من جراء ذلك الهوة بين الحقيقة العلمية والحقيقة الدينية، بل اعتقد في هذه الحقبة أنهم سيحققون كل أحلام البشرية عن طريق العلم وحده وبدون الاعتماد على جال الدين، وأن السعادة الإنسانية أصبحت تحل أسرارها في المخبر وفي أنبوب التجريب، وقد زاد هذا الغرور العلمي إذكاء ما حصل عليه العلماء من انتصارات على المادة حتى ارجعوا كل شيء إليها، ولم يعد الإنسان نفسه إلا مجموعة من الخلايا والأنسجة واللحم والعظام تسيطر عليها قوانين علمية ثابتة.
هذه هي الروح التي سادت في القرن التاسع عشر: غرور واعتماد من جانب العلماء وانكماش وانزواء من طرف الكنيسة ورجال الدين.
غير أن هذا الواقع سرعان ما تبدل وتحول إلى القطب المقابل في القرن العشرين، وتتسم هذه الفترة بالنضج والبلوغ والتحفظ وقد تأثر الفكر العلمي بنظريات التطور والنسبية، وبمفاهيم علم النفس الحديث، ولذلك يمكن الزعم بان الاتجاه العام قد تحول وأصبح العلماء أقل اعتدادا وزهوا وأصبحوا ينظرون إلى الحقائق الدينية بشيء من الاعتبار والاحترام، لا بالإنكار القطعي السابق، أدى غالى هذا الموقف الجديد ما عاناه العلماء من صعوبات في صميم المادة التي أصبحت في نهاية التحليل والتقسيم أقرب إلى الروح (كهارب وتيارات غير منظورة) منها إلى المادة الصلبة التي ترى بالحواس، وكذلك لم تعد التجربة العلمية تعتمد على الوسيلة الحسية فقط إذ أن الإدراك - كما يقره علم النفس- قد يكون بالوجدان والوعي الباطني أو بالحدس (الحدس البرغسوني المعروف) كادراك الأشياء عن بعد وقراءة الأفكار واستطلاع الماضي والمستقبل وتحضير الأرواح أي رؤية الأشياء غير المنظورة بقوة البصيرة العقلية وعن طريق الهاتف العقلي الباطني- وهذه الحقيقة ترتبط تماما مع إدراك المومن المتدين لحقائق الكون إدراكا باطنيا ذاتيا، ثم أن الشعور الديني ينبع أصلا من الشعور بعجز الإنسان أمام عظمة الله والكون وهذا العجز هو نفس الشعور الذي أصبح يعتري العلماء في مخابرهم وأبراجهم حينما لا يجدون ذلك التعليل المنطقي الشافي لحوادث الكون ولمفهوم السببية العام، وهذا الاتصال بين الدين والعلم وتقارب وجهات النظر هو في الحقيقة اتصال وظيفي مع بقاء الاختصاص لكل من المظهرين، فالعلم سوف يبقى مهتما بكل ما يتعلق بمادية هذا الكون يجري الاختبارات ويقيم التجارب ويضع القوانين في دائرته الخاصة، وإذا استطاع اليوم العلماء أن يستعملوا هذه النظرة العلمية في المادة الحية فلا بأس من ذلك ما دام النجاح حليفهم كما برهنت عليه علوم الطب وعلوم الحياة، وهذا الاختصاص ظاهري فقط لان فلسفة العلوم أصبحت متفقة متقاربة مع فلسفة الدين من حيث النظرة العامة للكون.
من جهة إذ نجد لكل علم ميدانا خاصا به لا يتعداه، ولم تعد الأديان تتدخل في شؤون العلم تدخلا مباشرا إذ أنه ليس من اختصاص رجال الدين أن يبتوا في قضية ترجع إلى علم الطقس أو علم المحاليل أو علم التشريح، أو علم الذرة والإشعاع، فهذه المظاهر متطورة متبدلة وروح الأديان خالدة دائمة ثابتة