فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
لأنها تتعلق بآمال البشرية وبسلوك الأفراد والمجتمعات وما من شأنه أن يحقق سعادة الناس أجمعين.
ومن الحقائق المسلم بها أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي اتصف بهذه الروح منذ القديم فلم ينافس العلماء ولم يعارضهم وكان الرسول (ص) يجهل الكثير من أمور الحياة ولم يدع يوما أنه الإمام المقتدى في علوم الحرب أو الزراعة أو البناء وإنما جاء لهداية الناس والى ما فيه خيرهم وسعادتهم، وحقائق الإسلام ناطقة لا تدعو إلى الريب، فالقواعد الخمس من شهادة وإيمان وصلاة وصيام وزكاة وحج وكذلك المعاملات والأحوال الشخصية الخاصة لا تمس إلا قلب الإنسان وعقله لأنهما الجهاز المحرك لطاقة الفرد ثم سلوكه العام في الحياة، ولذلك لم يحصل نزاع بين الإسلام وروح العلوم النزيهة التي لا تمزج مع حقائقها الكفر والإلحاد.
وإذا كان العصر الحديث قد وضع الخطوط العريضة للميزات الخاصة والعامة للدين والعلوم وحصر نطاقهما وخصص «المجال الحيوي» لكل منهما، فان القرن العشرين توصل إلى حقيقة أخرى ولعلها أخطر من السابقة وأمسها بالإنسان وأشدها تأثيرا على شخصيته وعلى سعادته، هذه الحقيقة هي أن الإنسان قد شقي بانغماسه في الحياة المادية الصرفة، وان السعادة أصبحت حلما وأمنية عويصة التحقيق فانتشرت الأمراض النفسية وتمكنت من الناس وكان أشدها تسلطا التعب والإرهاق النفسي ثم الحيرة والذهول العقلي، ولم تعرف العصور الماضية هذه الأمراض بالكثرة التي نشاهدها اليوم والسبب الوحيد هو اهتمامنا بالماديات فقد دون الالتفات إلى القلب والروح، وقد عجز العلم تماما عن علاج هذه الظاهرة بل لنقل أنه زادها بلبلة، فلا المكيفات الهوائية استطاعت أن تخفف من هذا الشعور ولا السيارات الفخمة ولا السينما والمسرح ولا المقاعد الوثيرة الناعمة إذ أن هذه كلها أشد مساسا بالجسد ولا يمكنها أن تنفذ إلى أعماق الإنسان، والملاحظ أن المتدينين والمؤمنين بالقيم والمثل حتى ولو لم تكن سماوية أقل إصابة بالتعب النفسي أو القلق، كان الدين والإيمان بالخير والفضيلة مسكنات تحد من جبروت المادة، أو كان الإنسان خلق لكي يتغذى قلبه ونفسه كما يتغذى الجسم والعقل وأن السعادة البشرية كامنة في هذا الازدواج بين الروح والجسم، فلا بد إذا من الإيمان، وبأن هنالك عدالة من السماء وأن عينا بصيرة تتعقب أعمالنا وأن الجزاء أو العقاب نهاية المطاف وفي الآخرة المحتومة، وأن القانون والسلطات المدنية إذا كانت عاجزة عن محاسبتنا بالقسطاس والعدل، واستكناه أعماق أنفسنا فان المظلوم لابد له من نصير وأن الظالم في موعد صادق مع المنتقم الأكبر، فالخلاف بين الدين والعلم حسب هذا المفهوم الأخير هو اختلاف وظيفي ولا غنى لهما عن الآخر فللمادة دور ووظيفة في هذه الحياة تقوم لتؤدي إلى الناس أحسن الحاجات إليهم وللدين دور آخر لا يقل أهمية أن لم يكن أقرب إلى طبيعة الإنسان وأشد نفوذا إلى أعماقه والى عالمه الباطني، فالقضية في آخر التحليل تتعلق بسعادة البشر وباستقرارهم النفسي والتجارب والإحصاءات تؤكد أن الدين كلما تقلص وانحسر بغزو الماديات كلما تسلط الشقاء وتحكم.
وخلاصة القول أن العلم في العصر الحديث أصبح يصف ويكتشف مظاهر الكون وأن الأديان اقتصرت على توجيه السلوك البشري نحو الهداية والرشاد، وفلسفة العلوم تعترف مع ذلك أن لهذا الكون عقلا مدبرا نسميه نحن الإله الأعظم ويسميه العلماء الملحدون الماديون- وهم أقلية قليلة- القوة العقلية الخارقة.
وعلى أي حال لا سبيل للبشرية من حياة سعيدة بدون قلب مؤمن وعقل مفكر يدفعانها برفق نحو الغد المشرق، والجسم لا يستغنى عن الروح، والنفس لا تكتفي بذاتها بل لا بد لها من الجسد، وهذه الازدواجية متى انفصلت ضاع البنيان الإلهي وضل الناس الضلال المبين.