فهرس الكتاب

الصفحة 314 من 5287

دعوة الحق، س 1، ع 8 / يبراير 1958 ص37

لأن ذلك يحقق لهم المنعة والسؤدد، وقد شعر العرب بهذه الضرورة، وإني متفائل من توحيد المناهج القضائية، وبالاتحاد النسائي العربي، وأرجو أن يتبع ذلك توحيد الأطر الثقافية، وتابع كلامه: إن مصلحة العرب الكبرى تكمن في موقفهم الحيادي بين الكتلتين الشرقية والغربية، وفي محافظتهم على الوديعة الروحية التي هي رسالات السماء التي اختار لها الله هذا الشرق العربي، إن الخير كل الخير في التمسك بالإيمان ونبذ الأفكار الأحادية الدخيلة، ولا ضير على العرب إن هم نظموا علاقات حياتية مع الشرق أو الغرب، مع المحافظة على كيانهم المستقل وعلى كرامتهم وعزتهم.

لقد انتهى حديث بولس سلامة، ولكني ما أنهيت حديثي معك- قارئي العزيز- إني أريد أن أطلق أضواء على إنتاج سلامة وأدبه، لتتيقن أنه لايزال بين صفوف أدبائنا المعاصرين من يمثل المتنبي في حكمته، والغزالي في فلسفته، وأبا زيد الطائي في جزالته.

إن أحسن إنتاج لبولس في نظري هو ملحمته الخالدة (عيد الغدير) وهي أول ملحمة في لغة الضاد، وتعد بما ينيف عن 3500 بيت، تناول فيها أهم نواحي التاريخ الإسلامي، وخصوصا ما يتعلق بالهاشميين والأمويين، وقد مدح فيها آل بيت النبي الأكرمين وخصوصا الإمام علي كرم الله وجهه، وقد جاءت جوهرة غالية ستبقى مشعة في جبين الأدب العربي ما بقي هذا الأدب، وهاك بعض الأبيات من المقدمة يمدح فيها عليا:

هات يا شعر من عيونك واهتف باسم من أشبع السفاسف ريا

باسم زين العصور بعد نبي نور الشرق كوكبا هاشميا

خير من جلل الميادين غارا وانطوى زاهدا ومات أبيا

كان رب الكلام من بعد طه وأخاه وصهره والوصيا

بطل السيف والتقى والسجايا ما رأت مثله الرماح كميا

ويتابع نظمه السجي، فيصف بطولة المسلمين متغنيا بها، واضعا النقاط على الحروف في انتصاره للمحق وعوده باللائمة على الظالم، إلى أن يشرف على نهاية ملحمته، فيأبى إلا أن يتمها بقوله:

يا أمير الإسلام حسبي فخرا أنني منك مالئ أصغريا

جلجل الحق في المسيحي حتى عد من فرط حبه علويا

أنا من يعشق البطولة والإلـ هام والعدل والخلاق رضيا

فإذا لم يكن على نبيا فلقد كان خلقه نبويا

يا سماء اشهدي ويا أرض قري واخشعي أنني أردت عليا.

هذا ختام الملحمة، وتلك فاتحتها، أما المعاني البطولية والجمالية فهي داخل الملحمة أخذت كل صفحة منها النصيب الوافر، فالمديح الطري في قصيدته (أهل البيت) التي يدبجها بقوله:

عترة الطهر يا ورود الخمائل عطر الجو بالسنا والفضائل

يا شروق الأنوار في غيهب الأز مان ظلي على العصور مشاعل

والرثاء المبكي في قصيدته (رثاء أمير المؤمنين) التي ديباجتها:

غاب ضوء النهار قبل انقضائه هات يا شعر أدمعا لرثائه

أما الشكوى والأنين والاستعطاف، فقد بلغ فيها بولس سلامة الذروة العليا في (صلاة) التي من جملة ما جاء فيها:

يا مليك الحياة أنزل عليا عزمة منك تبعث الصخر حيا

جود كفيك إن تشا يملأ العيـ ـش نماء ويفرش الجذب فيا

واهب النور والندى للروابي أولني من جمال وجهك شيا

طال في منقع العذاب مقامي واستراح الشقاء في مقلتيا

فنسيت النهار من طول ليلي أترى الليل شرعك الأبديا؟

هذه صور جد باهتة عن أديب العربية الخالد بولس سلامة من خلال جلسة قصيرة بجانب سريره الذي يقول فيه:

إن حظي من الحياة سرير صرت منه فلم يعد خشبيا

ومن خلال ملحمته الخالدة على الزمن (عيد الغدير) . وليكن لك قارئي العزيز موعد مع مؤلفات بولس، فإن له في الفلسفة كتاب (الصراع في الوجود) وله ديوان (عيد الرياض) و (مذكرات جريح) وكل كتاباته نور على نور، يهدي الله لنوره من يشاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت