فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 ص 32
وتحضن ولده، وتمده بشيء من القوة والنشاط، وتثير فيه كثيرا من الإحساس والحماس، فيندفع إلى الذب عن الحريم، والذود عن الوطن، والفكر في المجتمع، فإن الرجل أنيطت به مهام الحياة ووظائفها المختلفة من دون استثناء ولا تخصيص، فتكاليفه أغزر وأكبر، ومسؤوليته أشق وأوعر، وذمته ملزمة بأعباء الدفاع والإدارة، مكلفة بترتيب الأشغال، وإقامة العمارة، والقيام بأنواع المكاسب بأسرها، وتأسيس قواعد المدنية الصالحة وبنائها، وهو بحال جبلته أقوى وأعقل، وأشد وأكمل، والنساء منه أقل، وفي مكاره الحياة ألين وأضعف، وكل ميسر لما خلق له، ومن أراد مقاومة الطبيعة، ومخالفة العادة التي هي أخت الطبيعة، فقد أتى شيئا نكرا، وكانت عاقبة أمره خسرا، وهكذا تعاليم الكتاب الحكيم، وتفاصيل سنة النبي الكريم، ومن صريحها بعد الإشارة إلى قاعدة المساواة: ?وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ? [البقرة: 228] - ?الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ? [النساء: 34] . وكانت الدرجة للرجال تحقيقا للمسؤولية الملقاة على عاتقهم، إذ هم رعاة؛ وكل راع مسؤول عن رعيته والمرأة راعية بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها.
وجاء في قسمة الأموال للذكر مثل حظ الأنثيين، وفي حصة الشهادة، الرجل كالمرأتين، ففرض لها الإسلام نصيبا كالرجال بعد أن كانت محرومة من المشاركة في المال، ?لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا? [النساء: 7] ، وجاء حظها دون حظ الرجل لأن تكاليفها دون تكاليفه، ولأنه معرض بحكمه الطبيعي ووضعه الاجتماعي في كثير من الأوقات لكثير من النكبات التي تزعجه، وتعوقه من العمل والخدمة والتكثير والتنمية، فماله خارج في حضرته وفي غيبته، يرزق منه أهله وعياله، وتؤخذ منه الجبايات والإعانات والكفارات والزكوات والديات وغير ذلك مما تفرضه فنون الحياة وشؤون البيئة التي يعيش في أجوائها ويتحرك في ظلالها، والمرأة آمنة مطمئنة في غالب حياتها، مترددة بين وليها وزوجها، لا تسأل عن نفقة ابنها، ولا تغرم عن غيرها.
وبعد، فالنظر الأسد في الاعتبار وفي الواقع هو أن المرأة لا تعالج الملك ولا تلي السياسة، للحديث الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة، ورأي علماء الشريعة أن العبرة في أقوال الكتاب والسنة بعموم لفظها لا بخصوص سببهما، والحديث تام وعام في الموضوع، فلا تلي إمامة ولا رئاسة في الحكم ولا نيابة في المجلس ولا سفارة في الخارج، وعلى الإجمال فلا تنبغي المخاطرة بالمصالح العليا والقذف بها في مواطن الفتنة ومظان الشك والريبة، وما يبدو في تاريخ الأمم من ظهور المرأة في ميادين الحكم والسياسة فلا يدل على صواب هذا المذهب وسداده، وربما أنتج التأمل في تاريخ حياتها، والتعمق في ظروف ولايتها ونتائج تدبيرها، ضعفها عن ممارسة السياسة ومعاناة الحكم، ولقد أعطت أوربا للمرأة أكثر مما يمكن من الحرية وأباحت لها أن تستمتع ما شاءت بأسباب الحياة، فلم تذهب بعيدا في طريق السعادة، ولم تأت بنجاح في باب السياسة، بل كثير من الممالك كان يسيرها الغرام، ويديرها العطف والهيام، ولم يعهد لامرأة في عهد النبوة ولا في عهد الخلافة بأي منصب من مناصب الدولة، وعائشة رضي الله عنها التي ثبت فضلها وكمل عقلها وكانت مثلا أعلى في العلم والفضل والدين والعقل، سجل التاريخ ما ترتب على دخولها في السياسة، وخروجها إلى العراق، ووعظنا أنها رضي الله عنها ندمت على ما فعلت، وكانت إذا قرأت قوله سبحانه: ?وَقَرْنَ فَي بُيُوتِكُنَّ?، بكت حتى تبل خمارها وقالت لعبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمان، ما لك لم تمنعني من الخروج؟ قال: رأيت رجلا قد غلب عليك، يريد ابن الزبير، ومن هذا يعلم أن المرأة تضعف في المواقف، وتغلب في المحاورات، وتسير بجانب المشاكل، وتعجز عن مواصلة الأعمال، وإن علا شأنها وطال باعها، كما قضى بذلك طبعها.
وصدق قول الله العظيم: ?أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ? [الزخرف: 18] ، ومحمد صلوات الله عليه وسلامه عليه فرق بين الناس. وقال عبد الله بن عمر: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يمشي الرجل بين امرأتين، ومثله القعود بينهما.
إن المرأة كانت وما زالت زينة من زينة الحياة الدنيا، وعمدة في التربية والحضانة، وقوامة على البيت والحجرة، ولا ننسى أنها تهيئ المجتمع الصالح، وتعد الرجال للمستقبل، وأنها المدرسة الأولى للشعب، فجدير أن يعتنى بتثقيفها وإصلاح جوانبها، لتصبح مدرسة صالحة وسامية، لها حكمها المعروف، ومقامها المألوف، فكفاها أن تنصرف إليه وتجيد العمل فيه، وتفيد الشعب من بابه، وإن في كفالة الأبناء وتربية النشء وإدارة البيت مع ما يتطلب ذلك من الإلمام بشيء من علم التربية وفن الطبخ وتدبير المنزل ومعرفة قواعد الطب الأساسية لتكليفها بميادين فسيحة، قلما تلم بها امرأة من نسائنا، كما لها مسابح أخرى يمكنها أن تظهر فيها، مثل العمل في المياتم الإسلامية، ?
دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 ص 40
تابع للصفحة 32
والجماعات الخيرية، والإسعافات الوطنية والمنظمات النسوية، وقد تفرغ ميادينها إذا اشتغلت بما هو من شأن الرجال، وهم لا يستطيعون أن يقوموا بدور المرأة في المجتمع، نظرا لطبيعتهم وتبعا لصبغتهم. وإذا أهمل البيت فإن الرجل سيصبح من رواد المطاعم العمومية، بعيدا من نظام الأسرة وإعداد العشيرة. وإذا زاحمت المرأة الرجل فيما هو له، وتركت ما هو لها بالأصالة والعادة، تكون قد هدت ركنا عظيما من أركان الحياة، وهوت بالمجتمع إلى الحضيض السافل، ووقفت مع الرجل في ميدان واحد، ولا يخفى على العقلاء والحكماء ما ينجم عن ذلك من المضار الاجتماعية والمفاسد الخلقية، التي تفضي لا محالة إلى الإخلال بالحياة الإسلامية، وإضعاف أركانها وتحطيم روحانيتها، ولا سيما مع هذا التقليد الأعمى والتعصب الأصم، الذي نراه يهدد كياننا ويهدم عقائدنا من حياة التبرج والتظاهر بالزينة والتجرد من سيمة الحياء وما تلقاه هذه العادة الذميمة والحياة الأثيمة من تأييد وتحبيذ من لدن جنود التعصب لكل جديد وإن كان باطلا، والتمرد على كل قديم وإن كان حقا.
على أن الحياة الجديدة إذا لم تنسج على خيوط القديم وتبن على احترام عقيدته وتاريخه واعتبار لغته وأدبه، فهي حياة زائفة زائغة، لا تلبث أن تزول وتنقطع أسبابها الواهية، وتتداعى أركانها الهاوية.
إن استقلال المغرب العربي كان نتيجة لتمسك المغاربة بأهداب الدين الحنيف، وإيمانهم العميق بالفضائل ومكارم الأخلاق، ولنا في الإمام الأعظم جلالة محمد الخامس أكبر دليل وأقوى شاهد، فقد غير مجرى التاريخ، وهو المثال الصحيح في التحلي بالمحامد الإنسانية، والتخلق بالأخلاق الإسلامية، والدعوة إلى اعتناقها، والتشبث بحكمها. ومثل هذا التمسك والإيمان هو الذي حدا بهم أن يضحوا بنفسهم ونفيسهم ويفدوا أوطانهم بأعز ما لديهم، وهو الذي أهاب بهم أن يحاربوا الاستعمار جملة، ويقفوا أمامه على الرغم من قوته العتيدة، وعيونه العديدة، وجماعته العنيدة، واستفزازاته الشديدة، وضرباته المبيدة.
إن ذلك كان منشؤه الإيمان بوحي الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يكن لمجرد الهوى والتشهي، ولا لحب التوسع والتمتع، فإن الثمن كان عظيما والرزء كان جسيما.
وذلك على عكس ما نسمعه من بعض من نبتوا على الزيغ والإلحاد، أن القرآن أصبح غير صالح لهذه الحياة الجديدة؛ ?كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا? [الكهف: 5] .
أخذوا ذلك تقليدا ورددوه ترديدا وعذرهم لائح واضح، لم يطلعوا على نظام الإسلام وفضائله الاجتماعية ومحاسنه السياسية ومذاهبه العقلية، ولم يدرسوا خصائص القرآن، ولا عرفوا فيه وجوه البرهان، ولا تدبروا أحكامه وأدبه، ولا تتبعوا مذهبه وهدفه، ولم يتفهموا السياسة الإسلامية ولا وقفوا على مزاياها الواقعية، إنما اجتروا بما لقنه لهم أساتذة الاستعمار وأعداء الإسلام، وسلموا ذلك تسليما، وما دروا غفر الله لنا ولهم أنه كلما تقدم الزمان' وتقدمت حضارة الإنسان، ازدادت معجزة القرآن، وصدقت أحكامه، وتحققت أخباره، واتضح سبيل الإيمان به. نعوذ بالله أن نكون من الجاهلين، والله يحب المتقين ويتولى الصالحين.