فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
خصيبين يحدثان بالاتصال الحضاري الذي يرفد الثقافة الإنسانية الواحدة الشاملة، فالحضارات في مجموعها -متقدمة ومتخلفة، منتجة وغير منتجة- تتمازج وتتلاقح على شكل حلزوني، وبتعبير آخر، أن التاريخ لا يعرف للحضارات بداية مطلقة ولا معجزة قومية لأية أمة من الأمم، وما التاريخ ذاته إلا مغامرة الفكر الإنساني في مختلف الحضارات.
بيد أن حضور مدنية ما يستدعي بالضرورة وجود عاملين أساسين لصنع المدنية: الإنسان باعتباره إرادة فاعلة واعية متحررة، والطبيعة كواقع معطي متصف بالعفوية متهيء للفاعلية تتعقله وتنظمه وتستغله، ومن هذين العاملين: الإنسان والطبيعة أو الفكر والشيء يتم تركيب المدنية، سببها الفاعل الإنسان وسببها المادي الطبيعة وبمعنى واسع، المدنية هي: نتاج فكري مشترك ومشاع يخلقه الإنسان ببذل الجهد الدائب وأعمال الفكر في معطيات الواقع لتتحقق للإنسان معظم حاجاته الروحية والمادية.
من تضاعيف هذا المعنى تلوح علاقة إلزامية ومنطقية قائمة ببين خاصتين إنسانيتين هما: الثقافة والمدنية. فالثقافة هي تصميم فكري ينبثق عنه جهاز -نسيمه مدنية- وبواسطته يحقق الإنسان معظم حاجاته الروحية والمادية (1) ، ودور الثقافة في جميع الأحوال هو إفساح المجال لظهور المدنية، ولذا نرى الثقافة تسبق المدنية في التسلسل السببي والزمني والمنطقي إذا اعتبرنا الفكرة وهي قوام المدنية لا يتحقق لها وجود فعلي إلا إذا صارت عملا وانتقلت من التجريد إلى التشخيص، فقول جان لاكروا: إن الثقافة بصفة عامة هي تعريف تنبجس من الداخل إلى الخارج، من الذات إلى الموضوع فتتخذ لها أشكالا حضارية تصدر عن مركز وحيد هو الفكر، ثم تلتقى على صعيد الإنسانية جمعاء، فالأفكار إذا تغدو بواسطة الثقافة ملموسة ومنقولة على شكل رموز ووسائل مادية في مجال المدنية بتقدم الفكر الموصول في ميادين استغلال طاقات الطبيعة .. وهكذا فإن الثقافة نواة فكرية -روحية للمدنية.
والآن ما هو وضع الإنسان الحديث .. إنسان المدنية الغربية؟.
إن السمة الرئيسية للمدنية في وجودها المعاصر هي: التقنية -عالمنا الحاضر عالم آلي وتقني يطبق العلم بنشاط متزايد في حقل الصناعة، وواضح أن الذكاء العملي الصانع كان في البدء الشكل الأول للذكاء الإنساني، بلغ اوج تطوره في هذا العصر باعتماده على الآلية والتصنيع، جاء هذا التقدم الفكري التقني خلال عملية تطور ضمخة اجتازها الإنسان قدرها علماء الاجتماع والأنتولوجيا Ethnologie بمائة ألف سنة على وجه التقريب، كأنها ثانية من شاعة تطور الحياة على حد تعبير لعالم الإنجليزي الكبير: جوليان هكسلي Julian Huxly، ورغم ضآلة هذه الثانية فإن الإنسان بفضل المدنية ومحاولة تحرره من التقيد الطبيعي قد زادت رغباته كما وكيفا زيادة لا يطفأ لها أوار من جانب، كما زادت وسائل إرضاء هذه الرغبات سهولة ويسرا من جانب آخر، وهذا بالذات هو الدور الذي تقوم به المدنية الحاضرة: نقص العناء البشري بتوفر الآلة وتوغلها في الحياة اليومية وزيادة السرعة في إرضاء رغبات الإنسان.
فهل الإنسان اليوم على عتبة غد مشرق يبشر بتحرره من ثقله ومن كل شيء كما صوره خيال فيكتور هوغو الإبداعي؟ ها نحن في «بيت سليمان» -الذي تنبأ بيه بيكون في كتابه «اطلانتيد الجديدة» من أجل تحقيق سعادة البشر الكبرى والعيش بهدوء وسلام بفضل العلم والسيطرة على الطبيعة في- مدنيته الفاضلة بعد طواف طوبائي utopique طويل؟ وبتعبير موجز: هل المدنية الحاضرة في ثوبها التقني وسيلة لسعادة الإنسان ... ؟
إن مجرد طرح هذا السؤال يثير قضية الإنسان الحديث التي تتأرجح بين تفاؤل متحمس عازم وتشاؤم جامع عميق، ولعل لوحة الفنان المكسيكي دييغو ريفيرا Diego Revera التي تحمل رسم -الإنسان في مفترق الطرق- تعبر أصدق تعبير عن هذا التأرجح العنيف الذي يهز موقف الإنسان، فالإنسان الحديث في لوحة دييغوريفييرا أمام طرق
(1) الثقافة Kultur في اعتبار الفكر الألماني هي المدنية بالتعريف، والواقع كما يرى باستيد أن الفرق بين مفهومي الثقافة والمدنية ليس ثانيا ولا معينا.