فهرس الكتاب

الصفحة 3450 من 5287

صاح أبوها، واعولت أمها، وصرخ أخوها. وخمشت الخادمة وجهها، ولكن لم يسمع شيء من الصياح أو العويل، ولم ينفع من الحزن دمع، ولم يجد خمش الوجه جدوى، فقد اختنق كل ذلك في وحدة المكان، وهدوء الليل الصامت، ووحشية الأشقياء الجريئة، وفي النهاية اقلب هؤلاء مسرورين، وبقي أولئك محزونين.

بلغ «رودولفو» منزله دون أية صعوبة، بينما وصل والدا «ليوكاديا» إلى منزلهما فزعين، أعميين فقد فقدا «ليوكاديا» وقد كانت ضياء عيونهما، وحيدين وقد كانت بهجتهما ورفيقهما المؤنس، مضطربين لا يدريان إن كان من الملائم أن يخبرا العدالة بفجيعتهما، فزعين من أن يكونا هما الأداة الرئيسية لإعلان ما يمس شرفهما، إنهما كنبيلين بائسين وجدا أنفسهما في حاجة إلى مساعدة، فلم يدريا ممن يشكوان، اللهم إلا من مفاجأة قصيرة ...

أما «رودولفو» فبكثير من خبثه ودهائه قد صارت «ليوكاديا» في جناحه الخاص من داره، ومع أنه كان قد أحس بالإغماء الذي أصابها عند ما حملها، إلا أنه غطى عينيها حتى لا ترى الطريق التي سلكها ولا المنزل الذي دخله، وبالرغم من أنه كان يعيش في دار والده، إلا أن أحدا لم يره، إذ كان له جناح خاص قائم بذاته، به كل ما يحتاجه، ولديه مفتاحه، وقبل أن تثوب «ليوكاديا» إلى رشدها كان «رودولفو» قد قضى منها وطره، وهكذا سلبت أعز ما تملك ... في الظلام .. وفي عمى البصيرة.

ولما كانت شهوات البدن الآثمة لها حدود تنتهي عندها، فقد ود «رودولفو» إذ ذاك أن يتخلص من «ليوكاديا» وفكر في أن يضعها في الطريق هكذا مغمى عليها كما كانت. ولكنه إذ هم بأن يضع فكرته موضع التنفيذ، أحس بأنه قد عاد إليها رشدها، وسمعها تقول وهي تحدث نفسها: أين أوجد أيتها التعسة؟ أي ظلام هذا؟ أي غموض يكتنفني، هل أنا في منزل براءتي أم في جحيم خطاياي؟ يا الاهي من يمسني؟ أنا في فراش؟ أنا معتدى علي؟ أنصتي إلي يا أمي؟ واستمع إلي يا أبي العزيز؟ ... آه .. إنه لتعاستي أن ألاحظ أن أبوي لا يستمعان إلي، وأن أعدائي قد فتكوا بي. كم أكون محظوظة لو أن الظلام كان أبديا، ولم تعد عيناي تريان ضوء العالم ثانية. وأن هذا المكان حيث أنا الآن - كائنا ما كان - يكون مقبرة لي، لأن التجرد من الشرف إذا كان مجهولا أفضل من الشرف الذي يكون في متناول آراء الناس، إنني أتذكر - وسوف أتذكر ذلك أبدا - إنني منذ قليل كنت راجعة في مرافقة أبوي، وأتذكر أنني هوجمت .. ما من شك في أنه ليس حسنا أن يراني الناسي هكذا .. أواه ... يا أنت كائنا من تكون. إذا كانت نفسك تقبل نوعا ما من الرجاء، فإنني أرجوك وقد قضيت على شرفي أن تقضي كذلك على حياتي، انتزع مني هذه الحياة، فليس من المستحسن أن تكون لي حياة غير شريفة، وسوف تدرك أن ما استعملته معي من وحشية وتجرد من الشرف والآدمية عند الاعتداء علي سوف يتعادل مع الرحمة التي تستعملها إذا قتلتني، وهكذا يمكن أن تكون وحشيا ورحيما ..

لقد تركت كلمات «ليوكاديا» رودولفو حاسرا لم يدر ما يقول أو يفعل، وهو شاب قليل التجربة، حتى لقد عجبت لصمته وحاولت بيديها أن تكشف الأمر وان تعرف الذي كان معها هل هو خيال أم ظل، ولكنها لمست جسما فذكرها بالعنف الذي اتخذ في اختطافها عندما كانت راجعة مع أبويها، فوقعت على حقيقة قصة فاجعتها، وإزاء هذا استأنفت قائلة: أيها المجتريء الشاب: إن عملك هذا لكفيل بأن تحاكم من أجله ولو كنت في سن طرية، اغتفر لك فعلتك إذا أكدت لي وأقسمت أنك كما أخفيت ذلك في الظلام، تخفيه بصمت ابدي فلا تنبس به إلى احد، يجب أن تعلم أنني لم أر أبدا وجهك، ولا أحب أن أراه، لأنني أتذكر الاعتداء علي، ولا أحب أن أتذكر المعتدي، ولا أن احتفظ في ذاكرتي بصورته، بيني وبين السماء ستصاعد شكاياتي، ولا أحب أن يستمع إليها العالم، لأن العالم لا يحكم على الأشياء بحسب الحوادث، ولكن طبقا له هو تجري التقديرات، انك قد اعتديت علي في حادثة من غير أن يكون هناك مجال للنطق، وسأعتبر كما لو كنت لم أولد في العالم، أو ولدت لأصير تعسة، ضعني بعد في الطريق، أو على الأقل إلى جوار الكنيسة الكبيرة، لأنني من هنالك سأعلم جيدا أن ارجع إلى منزلي، ولكن يجب أن تقسم لي أنك لن تتبعني لتعرف منزلي، ولن تسألني عن اسمي ولا عن أسماء أبوي ولا أقاربي الذين هم نبلاء وعلى جانب كبير من الثراء حتى لا يصيروا تعساء بي، وإذا كنت تخشى أن أتعرف عليك من كلامك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت