فهرس الكتاب

الصفحة 845 من 5287

تلك منجزات الماضي، وهذه أهم أهداف المستقبل، أشرنا إليها مجملين ولم نتتبعها مفصلين، ولا جرم أن الذي يسر أعمالنا وقرب منا أهدافنا ـ بعد هدى الله وتوفيقه ـ هو ذلك الرصيد الخلقي الذي توافرت لنا فيه أغلى القيم وأزكى الشيم الدينية والوطنية، والذي عز به الأجداد وسادوا وبنوا وشادوا وحفظوا كيانهم ووجودهم، رغم تقلبات الدهر ونكبات الأيام.

لكننا بدأنا نحس ـ مع الأسف ـ ببعض الوهن يدب إلى تلك الأخلاق وبشيء من الانحراف عن محجتها البيضاء فوجب أن نخاطبكم بالصراحة، وما عهدتمونا منذ ثلاثين سنة إلا صرحاء، وتعين أن نطلعكم على واقع الحال شأن الأب مع بنيه، وأن نقول لكم: إن الحوادث التي ببعض الجهات حدثت والخلافات والاضطرابات الاجتماعية التي ببعض الموافق وقعت، من شأنها أن تفسد في الخارج سمعتنا، وتعرقل في الداخل جهودنا المبذولة لخير شعبنا في مختلف الميادين.

فحذار من مثبطات الهمم ومحبطات الأعمال، ورجوعا أيها الشعب الوفي إلى التاريخ القريب البلدية والقروية لتدرك الموبقات التي كانت سببا في ضياع حريتنا، منذ نصف قرن، فإنه ما عصف باستقلالنا، وما أنجح المكايد الأجنبية فينا إلا الافتراق والاختلاف، والتخاذل والتواكل والشك والتردد والتفاخر بالمدن والقبائل والشح بالنفس والمال، ووقوف المواقف السلبية وتقديم المصالح الخاصة على المصالح العامة.

(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) [ق:37]

إننا اليوم أحرار مستقلون، مسؤولون بالسوية عن مصير البلاد، وليس لأحد منا أن يتنصل من المسؤولية أو يستصغر الأخطاء الفردية، فعلينا وحدنا تقع تبعات الأضرار التي قد تلحق البلاد.

ينبغي أن يقتنع المواطنون بالحقائق، ولا يتعللوا بالأوهام، إن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، وإن غروس الاستقلال لا تؤتي ثمارها بين عشية وضحاها، بل لا يجني تلك الثمار إلا أبناؤنا وحفدتنا، أما نحن ضحينا في سبيل الحرية حتى استرجعناها ـ وكفى بها نعمة ـ ونبني اليوم صرح المستقبل السعيد الذي ينعم في ظلاله أبناؤنا ويسعدون.

شعبنا الوفي:

هذه كلمتنا إليكم صريحة، على أن الحالة لا تدعو إلى التشاؤم ولا تبعث على اليأس، فالمستقبل أمامنا مليء بالبشائر إذا نحن عبأنا أنفسنا لخدمة الوطن، ووحدنا الصفوف وأحسنا العمل، وقد حذرناكم من الشر حتى لا تقعوا فيه نحن الذين حملنا أمانتكم في مقتبل العمر، فأنفقنا شبابنا في رعايتكم، وكرسنا حياتنا للدفاع عن حقكم، والسعي لرقيكم وتقدمكم، وفدينا بحريتنا كرامتكم، وهانت علينا التضحية بسعادة أسرتنا الصغيرة، ولم تهن علينا ولن تهون التضحية بسعادتكم أنتم أسرتنا الكبرى، فمن واجبنا كراع مسؤول عن رعيته أن نحذركم من الضلال كما ندلكم على الهدى.

فعلى رعايانا الأعزاء أن ينظروا إلى المستقبل بثقة وإيمان، ويقبلوا على العمل بإخلاص وحزم، ويكفوا الألسنة عن الانتقادات المغرضة ويعرضوا عن دعاة التفرقة، لأننا جميعا أخوة، لا فرق بين بدوي وحضري، ولا بين ساكن الشمال وساكن الجنوب، وعلينا أن نتمسك بأخلاقنا الدينية والوطنية، ونقيم العلائق مع ضيوفنا الأجانب على أسس الثقة والمجاملة والمودة، وأن نستديم النعم بشكرها، ونحذر زوالها بالجحود، فينطبق علينا المثل الذي ضربه الله للجاحدين (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) [النحل: 112]

نسأل الله أن يجمع على الحق صفوفنا، ويؤلف بالخير أفئدتنا، ويهدينا سبل رشدنا وفلاحنا، ويسدد خطى إخواننا العرب والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ويسبغ على جميع الشعوب أردية الحرية والتقدم والرخاء.

الرباط في 5 جمادى الأولى عام 1378

الموافق 18 نوفمبر سنة 1958.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت