فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وترويضهم على استحسان ما يحسنه لهم واستهجان ما يهجنه، والحق يقال لقد صدق إبليس الاستعمار ظنه على شعوب إفريقيا السوداء، دخل أوطانهم فاتحا بالجيوش والرشاشات، ومن ورائه جحفل المبشرين. شاهدت بعيني هذه الحقيقة المرة أثناء رحلة قمت بها إلى سويسرة في جمعيات عمومية ثم من سويسرة إلى أمريكا، وهل في تمسيح أمثال هذه الشعوب الساذجة ما يدعو إلى العجب إذا فكرنا فيما يجنده الاستعمار من مرتزقة المبشرين، وما ينفقه من الأموال، وينشئه من المؤسسات على حساب الشعوب المحتلة نفسها، وبعبارة جامعة: إن الغاية التي يرمي إليها الاستعمار هي تذليل ظهور الأهالي لأجل استخدامهم في مصالحه الخاصة والعامة أولا، ثم الإجلاب عليهم بخيله ورجله لأجل تمسيحهم ?وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ? [البقرة: 120] ، ?وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء? [النساء: 89] ، لكن لكل غائب قفول، ولكل نجم أفول، لقد طلع النهار، وارتفعت الشمس في الأفق ساطعة وهاجة، وأخذ زبد الباطل يتبخر والسحب تنقشع، فأصبحنا نرى الشعوب على تفاوت درجاتها في الوعي والاستعداد تتسابق مثنى وثلاث ورباع إلى الدخول في حظيرة الأمم الحرة، ونرى الحواجز من حولها تهوي وتتساقط، تلك الحواجز التي كانت بالأمس تحول بين أمثال أمير البيان شكيب أرسلان وبين الدخول للمغرب.
على هذا الطريق درج الاستعمار من أول نشأته إلى اليوم، بالرغم عما لا يزال الزمان يمليه عليه من الدروس، ويسديه إليه من العبر، وبالرغم مما وصل إليه المجتمع البشري من تعارف وتقارب، لا يزيدهما كر الغداة ومر العشي إلا التحاما وإحكاما، حتى كأن الزمان أصبح يتكلم بجميع الألسن مثل المجانة التي يتكلم حلقها النحاسي جميع اللغات يفهمها كل أحد.
بعد هذا الاستعراض الوجيز لدولة أبي هول الاستعمار وملتويات طرقه وأساليبه أقول إن أجل نعمة نذكرها لهذا العهد الجديد أننا أصبحنا نرى فيه صروح الاستعمار تتقوض الواحد بعد الواحد، وانجلى ليله البهيم عن شعوب هبت متسابقة في حلبة الاستقلال بعد أن نسفت نطاق الحصار الذي كان مضروبا عليها، حصار كان قد أقفل الأبواب وسد النوافذ للحيلولة دون كل ما من شأنه أن يبعث على اليقظة وينبه الشعور بالقومية والجنسية. والآن وقد أصبحت جنة الحرية مفتحة أبوابها، فسيحة رحابها، دانية قطوفها، يحق لنا أن نقول للاستعمار:
إن قاضي الزمان قد سوى بين الخصمين، كنت بالأمس أنت الآمر الناهي، كنت كما تقول دهاقنك أنت الدماغ المفكر ونحن الأعضاء العاملون الكادحون، لقد نفضنا أيدينا من تراب دفن الاستعمار، وأصبح السائد والمسود على قدم السواء، نزولا على حكم الفطرة، وتحت سمائها، وفوق أرضها تكون المسابقة بين الجميع في الخيرات، يحفزنا نحن معاشر المسلمين ما أمر به كتابنا الذي يقول: ?وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ? [المائدة: 48] ونبينا من جهته يقول (اليوم الرهان، وغدا السباق، والجائزة الجنة؛ الناس رجلان، رجل يعمل لمحو السيئات، ورجل يعمل لعلو الدرجات، ولا خير في سواهما) .
قلت فيما تقدم إن الاستعمار نال بغيته وبلغ أمنيته من إفريقيا السوداء فعمم التمسيح بين أهلها، والتمسيح كما هو معلوم في عرف الاستعمار بمنزلة الجنسية الروحية؛ أعانه في هذا السبيل عدم المزاحم بسبب التطويق المضروب على تلك الشعوب، الأمر الذي مكنه من بسط شبكة التبشير بكل اطمئنان، وبكل ما لديه من وفرة الإمكانيات الحسية والمعنوية، فجال ما شاءت غفلة الشعوب أن يجول، وصال ما شاء له دهاؤه وحنكته أن يصول، تلكم صفحة طواها الزمان فيما طوى ولم يبق لها ذكر، اللهم إلا ما كان من أمر مناقشة الاستعمار الحساب. يحكى عن أهل البادية أن ذئبا من الذئاب كان يأتي لأولاده مرة بخروف يخطفه، ومرة بجدي، فقال له أحد أولاده: يا أبي هذه اللحوم هل تدفع ثمنها؟ فأجابه: إذا لم أرجع فذاك وقت الأداء.
تقديما للأهم أفتح مناقشة هذا الحساب بالكلام على أنكى وأعمق طعنة وجهها الاستعمار للمسلمين في دينهم، وهي ما شاهده أهل الجزائر أثناء احتفال القوم باحتلال الجزائر سنة 1830؛ شاهدوا يومئذ اللافتات في أيدي رجال الكنيسة موشاة منمقة بما لفظه: (أتدرون مغزى هذا الاحتفال؟ مغزاه تشييع جنازة الإسلام في هذا القطر!!) بمثل هذا طاعت ألسنة القوم جهارا علانية، وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون. إن الإسلام يجيبكم:
هي الشمس مسكنها في السماء فعز الفؤاد عزاء جميلا
فلن تستطيع إليها الصعود ولن تستطيع إليك النزولا