فهرس الكتاب

الصفحة 256 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع7 /يناير 1958 ص 33

استعمار العقول، التي ظل الاستعمار يسممها بمكر وخداع طيلة مقامه في البلاد الإسلامية المستضعفة، ومع الأسف نرى الأمم لا تتعظ بغيرها فتجتنب الأغلاط التي وقعت فيها الأمم التي سبق استعمارها، بل آفة المادية تصاب بها طبقة من الشباب النزق في كثير من الأمم.

فقد وجد هذه النزعة الشيطانية في الهند موقظ الشرق جمال الدين الأفغاني، فساءه ذلك حتى ألف رسالة حافلة سماها الرد على الدهريين، لأنه رأى بثاقب فكره أن فكرة المادية ستقضي على روحانية الهند التي هي مناط الأمل في تحررها، وقد عرب هذه الرسالة، بمعونة أحد أتباع الشيخ جمال الدين، تلميذه الوفي الإمام محمد عبده رحمهم الله جميعا.

ثم إن مصر من جهتها لم تسلم من هذه النعرة الإلحادية، إلا أن الله لطف بداعية من دعاتها فعاد إلى الحق، وكفر عن نزواته بما جعله في سجل الخالدين؛ فقد كان محرر السياسة الأسبوعية بمصر حوالي سنة 1928 فما بعدها الأستاذ المرحوم محمد حسين هيكل باشا من دعاة هذه المادية، إلا أنه اتصل به كتاب حياة محمد باللغة الفرنسية لمؤلف فرنسي، فأخذ يترجمه ويعلق عليه، وأخذ جمهور من شباب مصر المثقف يقرأ حياة نبي الإسلام، بشوق واهتمام، فأنقذ هيكل نفسه وأنقذ طوائف من شباب مصر، وسمعت أنه صار شديد المحافظة على إقامة الصلوات في وقتها، حتى أنه لما كان وزيرا لمعارف مصر، كان يوقف المقابلات والأشغال الإدارية وقت دخول وقت الصلاة حتى يؤديها، وقد زار قبر المصطفى فأخرج للأمة الإسلامية كتابا خاصا به بأسلوبه الجذاب هو كتاب «في منزل الوحي» فجزاه الله عن الإسلام خيرا.

وإن مصر منذ ذلك العهد وتمسك طبقاتها الراقية بدين الإسلام في تزايد مستمر، وقد أخبرني سفير المغرب في القاهرة سعادة الأستاذ الطريس بأن التدين تغلغل في الأوساط الراقية في مصر في هذا العهد إلى حد كبير، على غير ما كنا نعهده في بعض تلك الأوساط وقت دراستنا هناك، وذلك بفضل تدين رجال الثورة وعدم انغماسهم في حياة الترف، فنطلب الله أن يوفق من يزيغ عن الجادة من بعض شباب المغرب على الإقلاع عن زيغه، حتى يحفظ لأمته وحدة عقيدتها.

وليعلم كل شاب يحترم عقله وتفكيره أن اعتقاد المذهب المادي الصرف، وإنكار ما عداه، لا يقوم على أساس علمي، وأن من ينكر الحياة الروحية باسم العلم يجني جناية كبرى على الروح والعلم معا، لأن العلم مهما علا شأنه يقف عند حدود المادة ولا يتعداها إلى ما وراءها، وعدم العلم بالشيء لا ينفي وجوده، كما أن عدم معرفتك بالطريق لا يدل على عدمها وأنها توصل إلى مقصد معلوم، وما أصدق تعبير القرآن عن عدم إدراك البشر لحقيقة الروحيات حيث قال: ?وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا? [الإسراء: 85] ، وقد حكى القرآن حال إخوان الماديين من الدهريين، ورد عليهم ظنهم الخاطئ حيث قال: ?وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ? [الجاثية: 24] .

على أن هناك من أساطين العلماء من يشيد بعظمة الخالق المدبر، ويجعل هذه العوالم المادية المحسوسة من أسطع البراهين وأقواها دلالة على وجود إله مدبر عظيم وراء هذه المادة، لاحد لعظمة قدرته، كالعالم الفلكي (إسحاق نيوتين) وغيره، فقد سئل إقامة دليل وبرهان حسي على وجود الله خالق الكون، فاستدل بسير الكواكب في أفلاكها بدقة عجيبة تفوق التصور؛ قال: وذلك لا يمكن أن يكون صدفة وبدون خالق مدبر عظيم.

وهذا الفلكي كغيره من عظماء العلماء، يقود المفكرين إن تجردوا عن تقليد الماديين، إلى النظر في استدلالات القراءة بالأحوال الكونية على وجود الخالق العظيم، وعظمة قدرته، وبديع صنعه.

وما أبلغ القرءان في لفت نظر العباد إلى الأدلة الكونية حيث قال: ?أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ? [الأعراف: 185] ، وقال أيضا ?سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ? [فصلت: 53] ومن المأثور عن الفيلسوف ابن رشد: «من اشتغل بعلم التشريح ازداد إيمانا بالله» ، يعني تشريح الأبدان وعلم وظائف الأعضاء وتركيبها، وقال الله تعالى: ?وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ؛ لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ، وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ? [يس: 39 - 40] .

وإن شيخ الإسلام ابن تيمية يرى أن من أدلة القرءان أدله يقينية برهانية، فإنه قال: (وهو سبحانه إذا ذكر الأنبياء، نبيا وغيره، ذكر أنه أرسهم بالآيات البينات، وهي الأدلة والبراهين البينة المعلومة علما يقينا، إذ كل دليل لابد أن ينتهي إلى مقدمات بينة بنفسها، قد تسمى بديهيات، وقد تسمى ضروريات، وقد تسمى أوليات، وقد يقال هي معلومات بأنفسها) ، ويرى ابن رشد أن القرءان فيه الأدلة البرهانية، فإنه قال: (إن الكتاب العزيز إذا تؤمل وجد فيه الطرق الثلاث(يعني طرق الاستدلال) الموجودة لجميع الناس، والطرق المشتركة لتعليم أكثر الناس والخاصة).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت