دعوة الحق، س.1، ع3 /شتنبر 1957 ص10
الاستعمار وتقويض صرح الإكراه، ولنضرب صفحا عن كل سؤال حتى نحقق الحريات العامة ومنها حرية المعتقد والدين، فمع الاستعمار لا دين ولا اعتقاد، ولأمر ما لم يكتب الله لموسى في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء إلا بعد خروجه ببني إسرائيل من أرض مصر وتخليصهم من ظلم الفراعنة، ولحكمة ما لم يفرض الله على محمد من الأحكام قبل الهجرة إلا قليلا لعجزها على ممارستها في أرض يعظم فيها النكال بالمومنين المتعبدين، وقد فرض الله عليهم صلاة الجمعة بمكة فأداها الأقوياء الأحرار من سكان يثرب، وعجز المستضعفون من مسلمي مكة وفيهم محمد صلى الله عليه وسلم - عن أدائها، ولم يؤديها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعدما هاجر إلى المدينة وأدركته في بني سالم بن عوف.
والآن، ارتفع الإكراه واجتثت شجرة الاستعباد، ورشد المغاربة بعد حجر، وانطلقوا بعد أسر، وأصبحوا أحرارا مستقلين، بيدهم التنفيذ، وليس للأجانب على حكومتهم من سبيل، فلم يبق لأمير ولا مأمور مفر من تحمل تبعاته، ولا مناص لكبير أو صغير من المؤاخذة بمسؤولياته، وصار لزاما على كل واحد أن يعلم من أحكام المروءة والدين، وأن يسأل عما لا يعلم من هذه الأحكام حتى يعلمها ويعمل بها، وصار حتما على أولي الأمر من حكام ونواب وعلماء أن يأخذوا أهبتهم لإنهاض الإسلام من كبوته وأقالته من عثرته، وإعادته مشرق الوجه، نقي البشرة، كما كان في أيامه الأولى.
ويجب أن نبادر فورا إلى إصلاح الإسلام، فنحن الآن في مفترق الطرق، ودواعي الإلحاد متوفرة، ووسائل الإغراء به كثيرة، وقد يحميها القانون في كثير من الأحيان، والإسلام تبعا لذلك في مفترق طرق أيضا، فأما أن نأخذ له بالاحوط من الآن فنعيده سيرته الأولى، وأما أن نفرط في شأنه، ونستهين بالأخطار المحدقة به، فتحل به قاصمة الظهر لا قدر الله.
وليس أمر هذا الإصلاح الديني بالهين ولا باليسير، بل هو من العسير والتشعب بحيث يقتضي تكاثف الجهود وتوحيد القوى، وهو يشمل ميدانين: ميدان الهدم، وميدان البناء، أما الإصلاح بالهدم فيكون بالقضاء على ما علق بالعقائد والعبادات من مظاهر الوثنية، وآثار الجمود والرجعية، وبوائق الإسرائليات، حتى يعود الإسلام صافيا كالمرآة، نقيا كالندى، سلسا كشؤبوب المطر وينبوع العين، ويدخل في هذا الميدان العدول نهائيا عن التدريس بالكتب العتيقة والحواشي والتعاليق والاستعانة عنها بكتب دينية مبسطة يحذف منها بعض ما ذهب بذهاب وقته كأبواب الرق والجهاد وأحكام الذمي والبيوع الفاسدة، ويضاف إليها ما يقتضي من الزمان إضافته كالعقود والتوثيق والمعاملات التجارية والشركات والمصاريف والضمان.
وأما الإصلاح بالبناء فيهدف إلى بناء مجتمع مغربي على أسس مستمدة من روح الإسلام والقواعد العامة التي جاء بها ولن يبنى هذا المجتمع بوعظ ولا بخطبة خطيب، بل لابد من خط الخطط المحكمة، ونهج المناهج القوية، التي تجعل البناء يأتي كالنتيجة المنطقية التي تسبقها المقدمات، وأرى أن نبدأ أولا بالتعليم فنجعله مشبعا بروح الإسلام ومكارم أخلاقه، ولست أعني بهذا أن تصبح مدارسنا مدارس لاهوتية يقتل فيها التلاميذ أوقاتهم أو أنفسهم في معرفة ما إذا كانت النملة التي خاطبت سليمان ذكرا أم أنثى، ولكن الذي أعنيه أن لا تكون مدارسنا علمانية لائكية تعمل برامجها بطريق مباشر أو غير مباشر على محو سلطان الإسلام من النفوس والاستخفاف بفضائله ومزاياه وتاريخه وعظمائه، كما هو حاصل الآن، فإذا أصلحنا مناهج التعليم وقومنا قناته بثقاف الدين أمنا من خطر الإلحاد والزندقة على الأجيال القادمة، ثم بعد التعليم نعمد إلى شؤون العدالة والأحكام، فنقيمها على الطريقة ويكون ذلك بتوحيدها وجمعها في يد قاض واحد، يحكم بقانون يحرره واضعوه على مقتضى روح الشريعة الراعية إلى جلب المنافع ودرء المفاسد، والأخذ بالمصلحة لما فيه خير الناس وسلامة المجتمع.
ثم يأتي بعد ذلك دور الدعاة الدينيين والمصلحين الاجتماعيين، فيجدون السبيل معبدا بتعليم إسلامي الروح، وعدلية إسلامية المدد، فلا تضيع جهودهم سدى ولا تذهب أعمالهم هباء.
وكما قلت في عهد الإكراه أننا غير مخاطبين بفعل ولا ترك، أقول اليوم بكل صراحة أننا من أكبر كبير إلى أصغر صغير أصبحنا مسؤولين مخاطبين مكلفين، وسنحمل أوزارنا وأوزار من يأتي من بعدنا على كل تهاون أو تفريط، وأن كل تباطؤ في إصلاح هذا المجتمع وتقويمه سيسهل على بذور الإلحاد والإباحية أن تورق وتزهر، ولا داعي للتفاؤل وتحسين الظنون بالمستقبل، فقد تهاونت بالإصلاح قبلنا أمم لم تكن تقل عنا غيرة على الإسلام وتعلقا بأستاره، فجرفتها موجة الحضارة المادية الطاغية، وأصبح الإسلام فيها غريبا والقرآن مهجورا.
فمسؤوليتنا الآن جسيمة وتبعاتنا خطيرة، ولا مجال للتملص من أداء الواجب والتغاضي عما يحف بالإسلام ?
-البقية على الصفحة 29 -
دعوة الحق، س.1، ع3 /شتنبر 1957 ص29
-تابع الصفحة 10 -
من مكاره ويحدق به من أخطار، فيتعين على كل مسلم أن يفكر جديا في مستقبل الإسلام وإماطة ما في طريق تمكنه من أذى وأشواك، وأنه لأمر من الله لمن أصبح في مثل حالنا أن يبادر إلى نصرته ونصرة رسوله وكتابه ?فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ? [النور: 63]