فهرس الكتاب

الصفحة 1870 من 5287

الدنيا يقول الدكتور غوستاف لبون في كتابه سر تطور الأمم: «وكان شدة إيمان العرب تزيد قوتهم العددية عشرة أمثالها» . ويقول أيضا في فصل تأثير المعتقدات الدينية في تطور المدنية: «لا ينبغي أن ننسى أن جميع النظامات السياسية والتدبيرات الاجتماعية قامت منذ بداية التاريخ على معتقدات دينية وأن الآلهة هي التي لعبت أكبر دور في الحياة الإنسانية وأن الدين أسرع مؤثر في الأخلاق لا يداينه مؤثر اللهم إلا الحب والحب دين إلا انه دين ذاتي غير دائم» ويقول في نفس الفصل «كذا أتحدث بعض قبائل العرب بفكرة محمد -أي رسول الإسلام عليه السلام- فاستطاعوا قهر أمم كانت لا تعرف منهم حتى الأسماء وشادوا تلك الدولة الكبرى» . وإذا أردنا تطبيق هذه الحقائق التاريخية على المغرب نجدها بارزة في أنصع صفحاته الذهبية فنجده انتظمت أموره وظهر كأمة قوية عندما التف حول الفاتح العظيم المولى إدريس بصفته من أحفاد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حتى إذا ضعفت هذه الوحدة واختل نظامه لقحه من جديد بدعوة دينية حية ذلك العالم الديني المثالي المجاهد عبد الله بن ياسين فظهرت على مسرح تاريخ المغرب من البرغواطيين ووحدته وأنقذت الأندلس عدة قرون بعد أن تفرقت قواتها في عهد ملوك الطوائف إياد سبا ووحدتها مع المغرب.

وكذلك يقال في دعوة المهدي بن تومرت مؤسس دولة الموحدين فما كانت دعوته إلا ذات صبغة دينية رغم ما فيها من بدع، وهكذا توالت ملوك المغرب تؤيد الدين وتجمع بشرعيته وآدابه وأخلاقه شمل المؤمنين. وإن آخر ما عرفه المغرب من تأثير التربية الدينية في توجيه أموره لهو تربية الشيوخ الذين كانوا صالحين، ثم خلف من بعدهم خلف منهك من سار في ركاب المستعمرين الغاصبين فأساءوا إلى نفوسهم وإلى أسلافهم وإلى ملكهم وأمتهم.

ولما كان الدين الإسلامي هو الذي جمع شمل المغرب في القديم والحديث عمل المستعمرون -منذ أن احتلوا المغرب- على محاربة الدين الإسلامي في مختلف النواحي فاستصدروا الظهير البربري المعلوم وطردوا المعلمين للدين الإسلامي من قبائل البربر طردا رسميا كما منعوا كثيرا من الخطباء من إلقاء الخطب الدينية في القبائل ولفقت حولهم تهم سياسية حتى يكفوا عن بث أي شعور كريم في النفوس بل منع الاستعمار الخطباء في المدن من الخطابة كما وقع بالرباط وطنجة وتطوان مرارا وفي غير هذه المدن حتى فترت همم كثير من العلماء عن مواصلة جهودهم. لهذا صار من الواجب بعد أن ملك المغاربة حريتهم واستقلالهم أن يعودوا إلى تربيتهم الدينية ويأخذوا كتابهم العزيز بقوة، فيقيموا الصلاة حق إقامتها في بيوتهم، ويقيموا رقابة دينية أخلاقية على أولادهم، وكذلك ينبغي لوزارة التهذيب الوطني أن تأمر مديري المدارس وأساتذتها بتطبيق المنشور الذي أصدرته في هذا الموضوع الخاص بإقامة الصلاة في المدارس.

ومما يؤسف له أن كثيرا من المدارس الحرة تهاونت في أخذ التلاميذ بإقامة الصلاة التي هي أساس التربية لنفوس الناشئين.

وإن ما يحدث في مدارسنا لمخالف كل المخالفة لأصول التربية في المدارس سواء منها المسيحية وغيرها، فمن الواجب المؤكد استعمال الصرامة في هذا الموضوع واتباع الإرشادات والتوجيهات الصادرة من جلالة مولانا الإمام في التمسك بالدين وإقامة قروضه المقدسة. وكثيرا ما كان الملوك العلويين يأمرون بإقامة الصلاة ومعاقبة من يتركها ويتهاون بشأنها، ففي ظهير عام أصدره المولى عبد الرحمن لسائر عمال المملكة المغربية ما نصه: «ويلزم العامل كل «دوار» أو جماعة «مشارطة» طالب علم يرجعون إليه في أمر دينهم وتعليم صبيانهم وجهالهم ويقوم بالآذان والصلوات الخمس في أوقاتها ومن لم يفعل زجره وعاقبه».

بل إننا لنرجو من وزارة التهذيب أن تأمر الأساتذة بالذهاب مناوبة مع التلاميذ في جماعة منتظمة لحضور صلاة الجمعة ليكون ذلك مظهرا فخما من مظاهر الإسلام وعنوانا بارزا لتمسك المغاربة بدينهم وتربيتهم عليه ليوحد من بينهم المخلصين لله والواقفين عند حدوده الذين تصلح بهم الأمة ويصلح بهم أمرها ويطيعوا إمامتها الشرعية فمن لم يطع الرحمن لم يطع السلطان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت