فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 ص 34
أشراف ولا عامة ولا سادة ولا عبيد باستثناء ما تفرضه طبيعة العمران، وحتى إذا قرر هذا فسيصبح ميزان الشرف ومقاييس التمايز هي القيم الروحية والفضائل الحقة والأعمال التي تقدم لصالح البشرية دون التفات إلى فوارق الجاه والجنس والحسب والمال.
من أدلة المساواة في الإسلام
سبق أن قلنا إن مدلول لفظ المساواة لم يعرف إلا عندما عرف الإسلام، وهو أحد المبادئ الأولى التي أعلنها الإسلام، وتلك دعوى زائفة إن لم تسند بما يدعمها، ويا ما أكثرها! وذلك ما يجعلها تكتسي حلة الصحة الواقعية، ولنثبت هنا بعض الأدلة المؤيدة لذلك. منها قول الله تعالى الذي سبق ذكره وهو ?يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى ... ? الآية، وقوله ?إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ? [الحجرات: 10] وقوله: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا؛ فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ? [النساء: 135] . فمما لا ريب فيه أن الأخوة تقتضي المساواة لأنه ليس هناك ما يدعو لتفضيل أخ على أخيه لكونهما متماثلين ينطبق على كل منهما ما ينطبق على الآخر. ومنها أقوال رسول الله عليه السلام وكذلك أفعاله عندما تعرض على النظر توجد غنية بما يدل دلالة واضحة على أن الرسول كان أحرص الناس على المساواة وأكثرهم رعاية لها، فمن بين أقواله: (المسلمون تتكافأ دماؤهم ... لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى ... كلكم لآدم وآدم من تراب ... الناس سواسية كأسنان المشط) ، ومنها قوله لحبه أسامة بن زيد حينما جاء يشفع لديه في امرأة وجب عليها حد السرقة: (أتشفع في حد من حدود الله؟ إن بني إسرائيل كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، والله لو كانت -يعني السارقة- فاطمة بنت محمد لقطعت يدها) ، ثم يقول: (أيها الناس من أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه، ومن ضربته ضربة فليقص مني قبل يوم القيامة) . ثم إننا إذا انتقلنا من الأقوال إلى أفعاله عليه السلام نجد التاريخ لم يحفظ عنه أنه كان يفرق بين صحبه وغيرهم إلا بما لهم من أداء الواجب ورسوخ القدم في التقوى. على أننا نتحدى التاريخ إذا هو أثبت لنا أن الرسول كان يفرق بين نفسه وغيره في مبدأ ارتضاه لعموم الناس، وهو بطبيعة الحال في مقدمتهم يخضع لما يرتضيه لهم ويعمل قبل غيره بما يأمرهم به. واليكم مثلا على ذلك: يروى رجال السير والأثر (أن رسول الله كان في سفر مع جماعة من المسلمين فلما حان موعد الطعام عزموا على إعداد شاة يأكلونها فقال أحدهم: عليّ ذبحها، وقال آخر: عليّ سلخها، وقال الثالث: عليّ طبخها، فقال الرسول الكريم: وعليّ جمع الحطب، فقالوا: يا رسول الله، نعفيك من العمل، فقال: علمت أنكم تكفونني ولكني أكره أن أتميز عليكم، وإن الله سبحانه يكره من عبده أن يراه مميزا بين أصحابه) . وإن التفاتة إلى هذه القصة ونظائرها التي تتمثل فيها ديمقراطية الرسول ومسارعته إلى تنفيذ ما سنه للناس تجعلنا على علم كيف استطاع الرسول أن يقضي على الفوارق والميزات ويبيد عصبية الجاهلية التي كانت تقوم على الأحساب والأنساب ثم يشيد على أنقاض ذلك مجتمعا أسس على العدل والمساواة والدعوة إلى الخير والتفاني في الصالح العام. وفي نفس هذا الطريق الذي خطه الرسول سار الأفاضل من الصحابة رضوان الله عليهم، وأماجد الأمة، فهذا أبو بكر الصديق يقف خطيبا في المسلمين، خطبته الأولى عندما ولى الخلافة، جاء فيها قوله: الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، وهذا زميله ورفيقه عمر بن الخطاب يوصي سعد بن أبي وقاص عندما بعثه لفتح العراق: يا سعد سعد بني وهيب، لا يغرنك من الله أن قيل خال رسول الله وصاحب رسول الله: فإن الله لا يمحو السيء بالسيء، ولكن يمحو السيء بالحسن، إن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا طاعته، فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء، الله ربهم وهم عباده. وقد كان عمر يحاسب نفسه على العدل ويأخذها بالمساواة، وحتى إذا علم أن المساواة هي حق مشاع بين الناس ولا يحد منه ويتخلف إلا عندما يوجد مانع.
فقد تعترض المساواة موانع تقتضي إلغاء حكمها إذا تحققت، وذلك لظهور مصلحة راجحة في الإلغاء أو لظهور مفسدة في المساواة، وسواء في تلك العوارض المانعة في المساواة في بعض الأحكام الشرعية والاجتماعية والسياسية والجبلية، وكلها قد تدوم أو تنتهي بزمن وكلها قد تطول وقد تقصر. وهذا البحث الموجز لا يتسع لأكثر من هذه الإلمامة الخاطفة.
هذا وإن مبدأ المساواة الذي تجلى في أكمل صورة وأجمل مظهر على ضوء تلك الأدلة النيرة هو من أعظم مفاخر الإسلام الخالدة التي نادى بها قبل أن تستيقظ الأمم الحديثة التي تزعم لنفسها أنها أول من أعلى حقوق الإنسان وهي الحرية والإخاء والمساواة. على أن مما يبوئ الإسلام القمة ويزيد في عظمته هو جعله الحرية والمساواة مبدأ عاما وشاملا للمسلم وغير المسلم من أولائك المواطنين الذين يجتمعون في صعيد واحد تحت سماء وطن واحد. ولعل هذا هو ما يقصد إليه رسول الإسلام حين يقول: (لهم مالنا وعليهم ما علينا.)
دعوة الحق، س.1 ع 4 - 5 /نونبر 1957. ص 64
_تابع للصفحة 34_
وعلى ضوء هذه الحقائق التي يتضح منها ما للإسلام من محاسن ومزايا تكفل للإنسان حياة أكرم وبقاء أشرف نناشد التاريخ على أن يحتفظ بها للأجيال المقبلة، كما احتفظ بها طوال تلك القرون التي عاشتها الأجيال الغابرة. حتى يعلم سر عظمة الإسلام الذي حقق لبني آدم ما عجزت عن تحقيقه الدول الكبرى ذوات الحضارة العظمى، حتى في العصر الحاضر مع ما هو موفور لديها من الوسائل في مختلف الميادين، فعسى أن يهب المسؤولون ليعملوا على نشر تعاليم الإسلام الصحيح، الذي به وحده يستطيعون أن يمحوا تلك الصور المشوهة التي علقت بكثير من العقول وارتسمت في كثير من الخيالات والأذهان، مما جعل المسلمين يتسمون بطابع التأخر والجمود وجعل الغربيين يتصفون بالحيوية والحضارة والنهوض، الشيء الذي حول الاتجاه إلى الغرب وجعل الكثير من الناس لا يؤمنون إلا بما يصدر عن الغرب، معللين هذا التحول بما كان عليه المسلمون في الشرق والغرب إلى عهد ليس ببعيد من تدهور وخنوع وتواكل وخضوع وإيمان بالقصص والخرافات التي خدرت أعصابهم ونومت شعورهم وأفقدتهم الإيمان بربهم وبأنفسهم، وذلك مثل: إن للبيت ربا يحميه، وما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يظهر في الوقت غير ما أظهره الله فيه، ولا تطلب منه أن ينقلك من حالة ليستعملك فيما سواها، فلو شاء لاستعملك من غير طلب، وما إلى هذا من ضروب التضليل وأنواع التعطيل. وبديهي أن مجتمعا يعيش على الأوهام والأحلام جدير بأن لا يعتبر في قليل ولا في كثير. لهذا فإن أولئك الذين يصدفون عنه محقون حينما يرمونه بالعقم والشلل.