فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 ص 51

ونزلنا للاستراحة بمطار ابن غازي فوجدنا في استقبالنا كاتب السفارة المغربية بتونس السيد عبد الرحمن غازي، فآنسنا بحديثه وأبدى مزيد الاعتناء بالوفد والحجاج كافة، وقابلنا هناك فوج من الطلبة المغاربة الذين أنهوا دراستهم الثانوية بمعاهد ليبيا، وأبدوا لنا رغبتهم في الرجوع إلى المغرب ورؤية بلادهم مستقلة، وقد كانوا خرجوا منها وهي ترزح تحت نير الحماية في أيام الأزمة، فأرشدناهم إلى الاتصال بوزارة المعارف عن طريق سفارة تونس.

وعلى الساعة الثانية عشرة بالتوقيت الليبي، أي بعد استراحة ساعتين تحركت بنا الطائرة في اتجاه جدة وأثناء السير أحسسنا بتغير الجو واشتداد الحرارة، ولم يكن منظر الصحراء من الطائرة إلا مما يزيد النفس انقباضا، وعند التحليق فوق القطر المصري، كانت العمارة على ضفتي النيل تلوح لنا كخط دقيق في وسط هذا الخضم الهائل من رمال الصحراء ... وكنا أثناء خروج الطائرة من إقليم الصحراء إلى الأقاليم الجبلية أو إلى البحر، نشعر بخفقات قوية من التي يسمونها في مصر (مطبات) وقد سألت عنها الدكتور منصور فهمي سكرتير المجمع اللغوي المصري، ونحن في ضيافة سماحة مفتي فلسطين السيد الحاج أمين الحسيني، وعرضت في حديث، فقال إنها من كلام العامة.

وبعد أن قضينا سبع ساعات ونصفا في الجو أي بعد المغرب بقليل، كنا ننزل في مطار جدة، ونتقابل مع صديقنا سفير المغرب بالحجاز الفقيه السيد محمد غازي ... وقد بذل لنا يد المساعدة هو ومساعدوه فمرت الإجراءات الجمركية وغيرها على ما يرام .. وفي تلك الأثناء كنت أتأمل في حركة المطار فأرى أفواجا عديدة من البشر على اختلاف ألوانهم وألسنتهم يتسابقون إلى حيث ينجزون مع الموظفين السعوديين الإجراءات اللازمة للدخول إلى المملكة العربية، وهؤلاء الموظفون الذين يعدون بالعشرات، ما بين شاب وكهل ومعمم ومطربش، يقومون بأعمالهم في منتهى النظام والأدب، ورجال الشرطة مبثوثون هنا وهناك، يسهرون على الأمن ويمنعون الفوضى، وبما أن الجو كان في غاية الحرارة، فإن بناية المطار كانت تعج بالمراوح الكهربائية لتلطيف الهواء ... والمهم أننا لم نر أجنبيا واحدا يقوم بعمل ما في إدارة المطار ولم نقرأ كلمة واحدة غير عربية على مكتب أو لافتة.

وركبنا على إثر ذلك السيارة إلى دار السفير، حيث نزلنا ضيوفا على سيادته، وكانت السفارة لم تتمكن بعد من حجز غرف لنا في أحد فنادق جدة، لأنها لم تعلم بقدوم الوفد إلا يوم وصوله، وكانت جميع الفنادق حينئذ قد غصت بالنازلين فيها، فمن المستحيل أن تلقى محلا فارغا في فندق لنزول فرد فأحرى أفراد، وليت شعري من المسؤول عن هذا الإهمال الذي أدى بنا إلى (التثقيل) على سفيرنا الكريم .... ؟

أصبنا يوم الاثنين 25 ذي القعدة نتجول في شوارع جدة، وقد زرنا السفارة ثم ذهبنا إلى مصرف الهند الصيني؛ حيث حولنا ما معنا من صكوك مالية إلى أوراق مالية سعودية، وأعلى ورقة مالية سعودية تبلغ عشرة أريلة، فليتصور الإنسان أي حمل ضخم يكون عليه أن يصحبه في كل أيام الحج، وخصوصا إذا كان معه نصيب لا بأس به من المال، ولا يمكن أن يأخذ بذلك المال حوالات صغيرة على بعض المصارف في مكة والمدينة، لأن هذه المصارف كما قيل -تقفل في أيام الحج.

وبعد الفراغ من هذه الأعمال جعلنا نطوف على الفنادق علنا نجد فيها فراغا يؤوينا ... وكان زميلان لنا وجدا غرفة ثنائية في (فندق الحرمين) فهنئا بها، وتناولنا طعام الغداء في فندق جميل يسمى (قصر قريش) وقد قضينا في بهوه المكيف مدة أنعشت نفوسنا من التعب والحر، ولم نتركه حتى وعدنا المكلف بإيجاد محلات لنا من الغد، ولكن الغد لم يحن حتى كنت أنا وأحد الرفقاء قد أصبنا بهذا الزكام الآسيوي، أو حمى الأنفلونزا، كما تسمى هناك، وأقمنا تحت العلاج بدار صديقنا السفير.

شعرنا بأن الجو في هذه البلاد لا يطاق، وكان من رأي أكثر الرفقاء أن نتمتع بحجنا وبهذه البلاد العزيزة كل التمتع، فجعلوا يعدلون عن هذا الرأي، وقررنا جميعا أن نقوم بواجباتنا أتم القيام وفي أقل الأيام، ولذلك فقد عزمنا على تقديم الزيارة والرجوع لأداء مناسك الحج حتى إذا فرغنا منها غادرنا الحجاز في أول فرصة .. وكان الناس يتحدثون بأن الحكومة ستوقف السفر إلى المدينة المنورة بعد يوم أو يومين منعا للازدحام، فكيف يتأتى لنا السفر ونحن لا نزال في قبضة المرض، وقد أصيب منا رفيق ثالث أيضا؟ ومع ذلك فأمامنا مقابلة جلالة الملك سعود وتقديم رسالة الاعتماد إليه ...

إن الأمور في بعض الظروف لا تسير على أحسن منوال إلا عند ما تتأزم الحال، وهكذا فمن كان يدري أننا نقدم طلب المقابلة مع جلالة الملك سعود الذي لم يكن في جدة يومئذ فيأتي غدا؛ وينعم بمقابلتنا بعد غد، أعني يوم الأربعاء 26 يونيه -27 ذي القعدة ... ولا ?

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت