فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 ص 58
وتذمر عبد الله من نفورهم من تعاليم الدين وهو الأمين عليه والحريص على نشره، فعزم على الرحيل عنهم إلى بلاد السودان ليكرر المحاولة مع أمم أخرى، علها تكون أقرب إلى الإيمان وأكثر استعداد لقبوله، وكذلك تذمر الأمير معه من جحود قومه. وأخيرا اتفق الاثنان على الرحيل لا إلى السودان، ولكن إلى جزيرة نائية، واعتزال الناس وعبادة الله هناك، وارتحلا يرافقهما سبعة من المؤمنين والتجأ إلى جزيرة وسط النهر الكبير.
إنها جنة صغيرة يحيط بها النهر من جوانبها، يستطيع الزائر عبره على الأقدام صيفا، أما في الشتاء فهو محتاج لكي يعبره إلى زورق يشق أمواجه الراقصة بين الشواطئ المتباعدة، وهناك بنوا منازلهم، كما أسسوا مسجدا للعبادة بين أشجار البرية التي تمدهم بفواكهها، وجعلوا شطر يومهم للصيد لكي يقووا به على عبادة الله التي جعلوا لها الشطر الثاني.
ومضى الزمان عليهم هناك وجمعهم ينمو، وعددهم يزداد. ينضم إليهم كل من خاف عقاب ربه، أو رغب في جنته، ويلتجئ إلى جزيرتهم كل من اطمأن قلبه للإيمان، وعبد الله بن ياسين مع هذا يعلمهم القرآن ويزرع في نفوسهم بذور الخير، ويشوقهم إلى الجنة التي وعد الله بها عباده المتقين، فانطوت قلوبهم على حبه، ووطنوا العزم على اتباعه وعلى طاعته، ولو خاض بهم لجج البحر الخضم.
وأخيرا اكتمل الجمع ألفا ... ألف رجل كامل الإيمان مستعد للتبشير به بين الناس، يبذل روحه رخيصة في سبيل نصرة مبدئه، وقام عبد الله يخطب فيهم: معشر المرابطين إنكم اليوم جمع كثير نحو ألف رجل ولن يغلب ألف من قلة.
وكان عبد الله يعلم أن هذا الألف يمكن أن يغلب، وأنه يستطيع أن يطهر البلاد من الشرك ومن التفرقة أيضا، كانت كل جهة من البلاد تحكمها شرذمة استقلت بالسيطرة على ما يقع تحت يدها، ولكن عليه مع هذا أن يدعو الناس بالحجة قبل أن يدعوهم بالسيف، وهكذا رأينا رجاله ينبثون في الآفاق داعين للإيمان بالله والعمل بشريعته، ثم خرج بنفسه يبشر بتعاليمه في الأصقاع، فلم يجد إلا إعراضا، ولم يلق أذنا تسمع ولا قلبا يعي، وعاد على جزيرته التي أخذت تعج عجيجا برجال أشداء، ينتظرون الأمر لكي ينطلقوا من عرينهم وينقضوا على من خالفهم، وخرج عن أوامر دينهم.
الله اكبر الله اكبر، هذا صوت قوي ينفذ إلى الأعماق ويحرك عواطفها الكامنة، صوت عذب يذكر سامعيه بمذهبهم الجديد، الذي غرسه إمامهم في النفوس، فاندفعت عاملة على نشره في الآفاق.
ولما كان نور الفجر يتسرب إلى الأكواخ من خلال الكوى المتفتحة في جوانبها، كان ألف رجل يتسربون من جزيرتهم لينقضوا على القبائل المجاورة التي تملأ بسيط الصحراء الكبرى، بينما كان إمامهم عبد الله يصيح فيهم بصوت يعمره الإيمان: قد أبلغنا في الحجة وأنذرنا وأعذرنا، وقد وجب علينا الآن جهادهم فاغزوهم على بركة الله، فتدفق ألف رجل على العالم تدفق أمواج المحيط وغمروه.
وارتفع الستار أخيرا، فرأينا المبادئ التي غرسها الفقيه عبد الله، قد نمت وكانت ثمارها أقطارا كثيرة اتحدت تحت لواء المتربع على العرش في مدينة مراكش.
وعاد المؤذن من جديد إلى نشيده المعهود: الله أكبر الله أكبر، ولم يكن المؤذن هذه المرة في تلك الجزيرة النائية مهد الحركة المرابطية، ولم يكن كذلك في الصحراء بين الأعاصير والرمال بل كان هذه المرة في بلاد الخصب والحياة، كان على قمة جبل في بلاد زعير بقرية (كربفلة) وكان في مسجد بني على قبر يضم رفات عبد الله بن ياسين، الذي استشهد خلال جهاده المقدس مع (أنبياء) برغواطة.
هذا هو الشاب الذي ترك أهله وأصدقاءه في بلدة نفيس التي كانت قائمة في أحواز مراكش، ودخل إلى الصحراء وحيدا ليصنع من رجالها جنودا يعيدون إلى المغرب وحدته بعد أن مزقته الأهواء، ويردون إلى الإسلام جدته بعد أن أهملت تعاليمه وأحكامه، وسلاحه في كل هذا إيمان انطوى قلبه منذ أن كان صبيا، إيمانه بنفسه وبقوة الشباب المتأجج بين ضلوعه، وإيمانه بدينه وبأثره في تكوين الرجال، وأخيرا إيمانه بالمغرب الذي يحتضن كل عناصر الخير المستعدة لتحمل مسؤوليتها وأداء رسالتها نحو الجنس البشري بأكمله.
وكذلك صنع شاب دولة، وخلق أمة، وجعلها على رأس أمم العالم المتمدن إذ ذاك.
وكذلك علمنا هذا الشاب أن نومن بأنفسنا ليؤمن بنا الناس، وأن نومن بقوتنا لنستطيع بناء صرح الوطن، وأن نؤمن بشعبنا لندفعه إلى تحقيق أهدافه، وأخيرا علمنا عبد الله بن ياسين كيف نبني المستقبل على أعمدة راسخة في النفوس عالية على السماء.