فهرس الكتاب

الصفحة 1828 من 5287

لذلك لم نجد أنفسنا مضطرين لإقامة موازين مختلفة نعرض عليها بالقسطاس إنتاج الثلاثة ... فلا حاجة بنا إلى اتخاذ مقاييس غريبة وأخرى شرقية .. وكذلك لا داعي إلى استعراض المدارس الحديثة في الشعر من واقعية، ورمزية، وذاتية، وإيمانية .. إلى آخره .. كما أنه لا موجب للخوض في عناصر الشعر الحديث ولا في قوالبه التي أخذت تتفشى وكان أصحابنا الثلاثة بمناجاة منها إلا بمقدار ..

وإنما المقياس الصحيح الذي يجب أن نراعيه في الحكم على ما بين أيدينا من إنتاج هو هذا الحظ المشترك بينهم -وبيننا- من الثقافة الأصلية ومن الثقافة الحديثة .. وبصفة خاصة ما أجمع عليه النقاد من سلامة الأداء وطرافة الموضوع مضافا إليهما إرضاء الذوق السليم .. وقد أسقطنا من حسابنا المؤاخذة على الهنات الطفيفة وعلى الوقوع في الشاذ الذي لا يخل بالفصاحة تمشيا مع النقد الحديث الذي أصبح يسلك مسلك الإغضاء عن بثور قالوا عنها أنها لا تفسد الجمال ..

وبعد هذه الفذلكة نأخذ في القصيدة الأولى «حنين إلى مصر» للمرحوم محمد ابن ابراهيم شاعر الحمراء .. أقول قصيدة حسب المتعارف حيث أنها من ستة عشر بيتا .. وإلا فهي أشبه بنفثه، أو نتفه، أو قطعة .. والمعروف عن ابن ابراهيم انه قلما يطيل النفس أو يستنزف حروف الروي .. فكثيرا ما تتنازعه عوامل تعوقه عن إتمام ما بدأ أو إجهاز أمر ذي بال .. ولولا أن الشعراء غريزة فيه لم يكن يكلفه إعدادا أ وتهنئة لكان من الصعب عليه أن يتفرغ إنجاز موضوع أدبي يذكر .. فكانت بديهته مادته الوحيدة ومعينه الذي لا ينضب .. ومن ثم جاءت قصائده في جلها مقطعات تنظم وتنشد في مجلس واحد، ثم عليها الإعفاء إن لم يتداركها بعض الحاضرين أو السامعين بالحفظ والتقييد ... وأما الشاعر فإنه لا يحتفظ منها إلا بقصاصة ورق سرعان ما تضيع منه .. وفي معظم الحيان تسعفه ذاكرته فيتذكر وينشد للأصحاب ..

وهذه القطعة التي يحن فيها إلى مصر .. والتي تفضل السيد محمد علي الجوهري فبعث بها لمجلة «دعوة الحق» فنشرتها ودعتنا إلى التعليق عليها -لا ندري متى نظمها الشاعر، ولا أين، ولا كيف، ويا حبذا لو كان ذلك السيد المتفضل تكرم أيضا بما عنده من علم عن ظروفها (أو على الأقل عن مصدرها الذي نقل عنه ليحصل الاطمئنان إلى صحة العزو .. ) والذي نحرزه نحن ونستجليه من ظاهر اللفظ أن الشاعر نظمها وهو راحل عن مصر -ولا يمنع من ذلك قوله «أحن إلى مصر» بدليل قوله فيها:

لي الله يا مصر العزيزة عندما

أفارق مصرا تارك القلب في مصر

وهي حسب الفكرة ثلاثة مقاطع رسم فيها أحاسيسه -أو ارتساماته كما يقولون اليوم -نحو مصر وهو يودعها .. جاء في المقطع الأول:

أحن إلى مصر وما أنا من مصر

ولكن طير القلب أعرف بالوكر

فلولا هواها عاصف بحشاشي

لما كنت في قطر وأصبحت في قطر

إنها لمحة خيالية خاطفة من الشاعر، أن يجعل قلبه طيرا يهتدي بالصمت إلى وكر أجداده بمصر كما تفعل الطيور الوافدة في حركاتها الدورية .. وكم لابن ابراهيم من هذه الوثبات الخيالية اللامعة .. ولكننا نأخذ عليه التعبير بلفظ «أحن إلى مصر» وهو منها في موقف الوداع حسب المقطع الثالث .. واللغة تقول حن إلى الشيء اشتاق .. وعادة لا يكون الشوق والحنين إلا قبل الورود كقول شاعر قديم:

أحن إلى نجد ومن حل في نجد

وماذا الذي يغني حنيني أو يجدي

اللهم إلا إذا زعمنا أن شاعرنا لم يشعر بورود مصر ولم يشف ما به من غلة الشوق ولهفة الحنين مما جعله يزداد هياما وإتباعا على قول الآخر:

لم يزدني الورد إلا عطشا.

أو قول مهيار في بيته المشهورين:

ومن عجب أني أحن إليهم

وأسأل شوقا عنهم وهم معي

وتبكيهم عيني وهم بسوادها

ويشكو النوى قلبي وهم بين أضلعي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت