فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ومن الحق أن التشريعات الوضعية في هذا العصر الحديث أخذت في الحد من استعمال المرء لحقوقه، فنشأت نظرية سوء استعمال الحقوق التي أشرنا إليها آنفا، ولكن بقي من الثابت الذي لا ريب فيه أن نظر التشريع الإسلامي إلى حقوق الأفراد وتقييدها بما يحقق مصلحة الجماعة ولا يضر صاحب الحق، توسع مدى وأبعد أثرا من نظر التشريعات الحديثة إلى اليوم في هذه الناحية.
ونعتقد أن هذه التفرقة الواضحة، بين طابع التشريع الإسلامي الإلهي وبين طابع التشريعات الوضعية، ترجع إلى تفرقة أساسية في أصول حقوق الفرد في الشريعة الإسلامية والقوانين البشرية.
إن القوانين الوضعية تعتبر حقوق الفرد حقوقا طبيعية له، فهو يملكها ويتصرف فيها كما يرى، فلا حرج عليه ولا تثريب أن أساء استعمالها، أما الشريعة السماوية الإسلامية فترى أن الفرد نفسه وكل ما يعتبر له عادة من حقوق ملك لله وحده، والله يمنح ما يمنح لعبيده من حقوق إلا لغرض حكيم هو تحقيق الخير للفرد والمجتمع معا، ولذلك نجد تقييد استعمال الحقوق في نواح مختلفة وكثيرة جدا، ومن ثم، وجب يكون الإنسان في عمله واستعماله لحقوقه متفقا مع قصد الله من التشريع، وإلا كان عمله باطلا لمناقضته للشريعة ومقاصدها.
الحاجة دائما لهذا التشريع:
يتبين من هذا الذي قلناه، أن حاجتنا للتشريع الإسلامي -وذلك مبلغ علوه على التشريعات الوضعية وغناه في كل ناحية من نواحي القانون- لا تزال اليوم أمرا ضروريا كما كانت فيما مضى، أنه تشريع صلحت به أمة عظيمة سادت البشرية قرونا طويلة، ولن تصلح في هذا العصر وفي كل عصر إلا إذا أخذت به وأقامت حياتها على أسسه ومبادئه وأحكامه.
وإذا، لنا الحق في أن نريد أن يكون هذا التشريع الأساس الأول والمصدر الرسمي لقوانيننا الحديثة، ولا بأس علينا مع هذا في أن نفيد من كل خير نجده في التفكير القانوني لأي أمة من الأمم الأخرى، بل لعل هذا يكون واجبا، فما كانت أمة لتستغني عن غيرها في كل شؤونها.
ونحمد الله تعالى على أنه وجد وعي قومي في مصر والبلاد العربية والإسلامية، أخذ يطالب بتخليص قوانيننا من الاحتلال الأجنبي، وهو احتلال فرنسي في الأكثر من نواحي القانون، كما أخذ كثير من رجال القانون وأعلامه ينادون بما نطالب به، وكان من هذا أن دخل في القانون المدني الجديد كثير من الحكام والنظريات المستمدة من الفقه الإسلامي وذلك أمر معروف.
على أن هذه بداية طيبة نرجو أن تصل بنا إلى ما نريد، ويسرنا هنا أن ننقل عن الأستاذ الدكتور السنهوري هذه الكلمة القيمة على وجازتها:
«والهدف الذي نرمي إليه هو تطوير الفقه الإسلامي، وفقا لصناعته، حتى نشتق منه قانونا حديثا يصلح للعصر الذي نعيش فيه، وليس القانون المصري الجديد أو القانون العراقي الجديد، إلا قانونا مناسبا في الوقت الحاضر لمصر أو العراق، والقانون النهائي الدائم لكل من مصر والعراق، بل ولجميع البلاد العربية، إنما هو «القانون المدني» الذي نشتقه من الشريعة الإسلامية بعد أن ثبت تطورها، وقد تكون البلاد العربية عند ظهور هذا القانون قد توحدت، فيأتي القانون ليدعم وحدتها، وقد تكون في طريقها إلى التوحيد، فيأتي القانون عاملا من عوامل توحيدها، ويبقى على كل رمز لهذه الوحدة» (9) .
أما كيف نصل لهذا الذي نريد، من سيادة الشريعة الإسلامية في مصر وسائر البلاد العربية والإسلامية، وما هي الوسائل التي تؤدي بنا إلى ما نرجو في المستقبل القريب. هذا، وذاك، لا يتسع له نطاق هذا المقال، ولعلنا نتكلم عن ذلك في مقال آخر، والله المستعان.
(9) راجع العالم العربي مقالات وبحوث، الكتاب الثاني، بحث القانون المدني العربي ص 28 و29 نشر الإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية مطبعة مصر سنة 1953.