فهرس الكتاب

الصفحة 2013 من 5287

أما الاستعمار الأوروبي فإنه نجح في بعض الأحيان وأدرك الهدف الذي كان يرمي إليه -في أمريكا مثلا- وأما لدى الأقطار الإفريقية والأسيوية فإن الاستعمار قد خاب في مهمته وأصبحت الأمم المستعمرة ترفض -الواحد بعد الأخرى- سيطرته».

ويرى الأستاذ مارو لهذه الظاهرة سببا واحدا هو أنه توجد فوارق عديدة ثقافية ودينية وأخلاقية تجعل من الإفريقي أو الأسيوي شخصا يختلف عن الأوروبي. ولقد تجاهل الأوروبي هذه الفوارق فعادت عليه بالخسران. ولهذا أصبح الاستعمار في وقتنا هذا -حيث أخذت جميع الأمم تعتز بثقافتها وتحييها- من الحوادث التي أطبق عليها التاريخ سجله. ولم يبق حينئذ للدول التي ما زالت تتمسك بالروح الاستعمارية إلا أن تتخلى عنها وتسير مع مجرى التاريخ.

وإذا ما رجعنا إلى الماضي -ماضي الجزائر- نجد الأستاذ شارل أندري جوليان- الاختصاصي في تاريخ شمال إفريقيا -يتعرض للروح الوطنية القوية الموجودة عند الجزائريين وللحروب الاستعمارية العديدة التي أشعلتها قرنا لتقضي على تلك الروح. غير أن هذه الروح أصيلة في نفوس الجزائريين الذين أصبحوا يتشبثون بها تشبثهم بالحياة. وهل هذا عيب يمكننا أن

سبه للجزائريين؟ فيجيب الأستاذ جوليان: أمرهم إذ هم يخطأون حينما يحاولون أن يخلقوا أمة جديدة ودولة جديدة في حين أن الدول المتمدنة تحاول أن تزيل الحدود الضيقة التي ألزمتها لنفسها لتكون مجموعة كبرى تراقبها هيئة دولية عالمية ....

... غير أن الروح الوطنية -مهما فاتها الأوان- ما تزال قوية وخاصة لدى الكبرى وأولئك الذين يعيبون على الجزائريين تمسكه بمبادئهم الوطنية، تقشعر جلودهم لفكرة تدخل هيئة الأمم المتحدة في شؤونهم».

ويرى الأستاذ جوليان أن الجزائريين بذلوا جهودا في محاولتهم لإنشاء دولة مستقلة، وإذا كانت جهودهم في الماضي قد باءت بالفشل فهذا لا يعني أن جهودهم في الوقت الحاضر ستبوء أيضا بالفشل، وإذا كان لابد من هذا الاستنباط فلما لا نقول أن مساعي فرنسا وجهودها ستبوء بدورها بالفشل كما فشل قبلها الرومانيون والفنداليون والبيزينطيونة وغيرهم؟!.

ثم يتعرض الكتاب إلى الثورات التي قام بها الجزائريون عبر التاريخ ضد الاستعماريين كيفما كانت جنسيتهم، ويرى عن هذه الثورات تكتسي دائما صبغتين: الأولى هي شعبية هذه الثورات وانتشارها في الطبقة الفقيرة العاملة. والثانية هي: طموح هذه الثورات إلى العدالة الاجتماعية وإرادتها القوية في تحقيقها.

فهاتان الميزتان جعلتا من الجزائريين رجالا شديدي البطش في ثوراتهم، متمسكين بمبادئهم التي تكاد تكون مقدسة في أعينهم.

وهذا ما جعل عدوهم يحاربون بقساوته ويستعمل جميع وسائل القمع والبطش والتعدي على ابسط القوانين الإنسانية، وهنا يقدم الأستاذ جوليان صفحات وافية عن المجازر البشرية التي قامت بها فرنسا في الجزائر منذ أن احتلت هذا البلد، وإذا كانت ظروف الحرب في القرن العشرين ليست هي ظروف وقت الاحتلال فإن وسائلها لم تتغير في كلتا الحالتين ... والجيش الفرنسي اليوم يستعمل كيفية متقنة في القمع والتعذيب أصبح العمل بها جاريا كالأمور العادية».

ثم يختتم الأستاذ أندري جوليان فيقول: «إذا كان للحكومة الفرنسية الذكاء الكافي والشجاعة اللازمة للاعتراف بالوضع الوطني الجزائري فإنه يسهل حينذاك الاتفاق على المراحل التي توصل إلى الاستقلال الذي لا مناص منه» .

هذا وفي «القضية الجزائرية» فصول أخرى عن جغرافية الجزائر الاقتصادية وعن المشاريع السياسية التي تقدمت بها فرنسا لإعطاء الجزائريين شيئا يشبه حقهم وعن مستقبل الجزائر الاقتصادي وإمكانياتها وشروط ازدهارها.

وكل هذه الأبواب والتي قبلها، طرقت في «القضية الجزائرية» بصفة علمية ولقد حاول مؤلفوها قبل كل شيء أن يقدموا لقرائهم المعلومات الضرورية النزيهة لتمكنهم من متابعة المشكل الجزائري ومن تكوين رأي شخصي عادل حول قضية هي من أهم القضايا التي شغلت العالم في أوائل النصف الثاني من القرن العشرين.

أبو زهير

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت