فهرس الكتاب

الصفحة 2087 من 5287

فقد خرج موسى غازيا وتتبع البربر وقتل فيهم قتلا ذريعا ثم توغل في جهة المغرب حتى انتهى إلى السوس الأدنى على قول صاحب «الاستقصا» . ثم تقدم إلى سبتة فصانعه صاحبها يوليان الغماري بالهدايا وأذعن للجزية وكان نصرانيا تابعا للملك «لذريق» فأقره عليها. وقد ولى طارق بن زياد الليثي على طنجة فلما استقرت له القواعد بالمغرب أمر طارق بغزو الأندلس فعبر البحر من سبتة إلى الجزيرة الخضراء فلما استقرت له القواعد بالمغرب أمر طارق بغزو الأندلس فعبر البحر من سبتة إلى الجزيرة الخضراء فصعد الجبل المنسوب إليه يوم الاثنين 5 رجب سنة 92 التي وافقت السنة الحادية عشرة من القرن الميلادي الثامن.

وكان سكان سبتة إبان فتحها بربرا أو متبربرين نصارى فدخلوا في الدين ودخلت سبتة معهم في عصر الازدهار والرقي وأصبحت دار علم وأدب وحضارة واقترن وجودها بعصور العز في تاريخ الوطن. يقول الأديب أبو الحكم مالك بن المرحل في مطلع قصيدة مشهورة له.

سلام على سبتة المغرب

أخية مكة أو يئرب

قال لسان الدين بن الخطيب

حييت يا مختط سبت بن نوح

بكل مزن يغتدي أو يروح

بكل مزن يغتدي أو يروح

مغنى أبي أفضل عياض الذي

أضحت برباه رياض تفوح

وقد ولد القاضي عياض بمدينة سبتة في النصف من شعبان عام ستة وسبعين وأربعمائة.

وتعرض لسان الدين بن الخطيب لسبتة في «مقامة وصف البلدان» فقال:

«قلت فمدينة سبتة؟. قال تلك عروس المجلى وثنية الصباح الأجلى. تبرجت تبرج العقلية ونظرت وجهها من البحر في المرآة الصقلية واختص ميزان حسناتها بالأعمال الثقيلة ... وهي خزانة كتب العلوم والآثار المنبئة عن أصالة الحلوم. إلا أنها فاغرة الأفواه الجنوب للغيث المصبوب عرضة للرياح ذات الهبوب عديمة الحرث فقيرة من الحبوب. ثغر تنبو فيه المضاجع بالجنوب. وناهيك بحسنة تعد من الذنوب. فأحوال أهلها رقيقة وتكلفهم ظاهر مهما ظهرت وليمة أو عقيقة. واقتصادهم لا تلتبس منه طريقة. وأنساب نفقاتهم في تقدير الرزاق عريقة ولا يفضلون على مدينتهم مدينة. الشك عندي في مكة والمدينة» .

وقد ظلت سبتة على هذا الحال إلى أن أخذها البرتغاليون سنة تسع عشرة وثمانمائة. فقد نزلوا بها واستولوا عليها خدعة سنة خمس عشرة وأربعمائة وألف عندما كان أبو سعيد بن أحمد المريني سلطانا على المغرب. وقد امتد حكم المرينيين من سنة تسع وستين ومائتين وألف إلى السنة الخمسين من القرن السادس عشر.

وقد قال شهاب الدين احمد بن محمد المقري التلمساني صاحب «أزهار الرياض في أخبار عياض» في استيلاء البرتغاليين على سبتة.

«وبعد أن بلغت سبتة ما ذكرناه من أحوالها وبقيت مدة آمنة من شرور الدنيا وأهوالها وأطلعت في سمائها نجوما كانت علومها للمردة رجوما كعياض المؤلف فيه هذا الكتاب وهؤلاء الشرفاء الذين لا يمتري ف يفضلهم ولا يرتاب. وبني العزفي المشاهير الذين برزوا في ميدان السبق على الخاصة والجماهير وحازوا رياسة الدين والدنيا وفازوا بالمكانة السامية والمرتبة العليا وغيرهم ممن لا يحصى كثره ممن كان لهم تقديم وأثره عدا عليها الدهر بعدوانه وسقط شرفا من إيوانه واستولى عليها العدو الكافر في قضية يطول شرحها وعظم على أهل الإيمان فرحها وأعضل أطباء الملوك إلى الآن جرحها ولم يزل بنفوس المؤمنين شجوها وبرحها» .

وقد نجح البرتغاليون في صد الهجمات التي قام بها سلطان المغرب بمساعدة ملك غرناطة سنة 1418 لاسترجاعها. وظلت في حكم البرتغال إلى حدوث وقعة وادي المخازن يوم 4 أغسطس سنة 1578 التي صرع فيها الملك «دون سيباستيان» «فأصبحت البلاد البرتغالية من غير ملك وارث فورثها «فيليبي الثاني» ملك اسبانيا ودخلت سبتة بحكم ذلك الإرث في قبضة الدولة الاسبانية سنة ثمانين وخمسمائة ألف. وعند ما استرجع البرتغال استقلاله عام 1640 ظلت سبتة في ملك اسبانيا بمقتضى المادة الثانية من معاهدة الصلح المبرمة في لشبونة يوم 13 فبراير 1668.

ونحن في غنى عن القول بان البرتغاليين لم يكادوا يسيطرون على سبتة حتى طردوا جميع سكانها المسلمين وشرعوا في بناء الحصون من حولها وأحاطوا تلك الحصون والسوار بخنادق يجري فيها الماء فكان لها الأثر القوي والدور الفعال في صد حملات الاسترجاع وإحباطها. وقد برز الأسطول في إسناد الدفاع وضمان التموين خلال سنوات الحصار العديدة المتجددة. ونحن إذا نظرنا في التاريخ الاسباني وجدنا أن معاهدة الصلح المبرمة بلشبونة لم تنص على بقاء سبتة في قبضة اسبانيا بعد استقلال البرتغال إلا بعد إجراء استفتاء بين سكانها وإن معظمهم آثر الانتساب إلى اسبانيا فكانت تلك المشورة أول استفتاء جرى في تاريخ العالم كله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت