فهرس الكتاب

الصفحة 2236 من 5287

إننا انتقلنا من طور الفردية إلى طور الجماعية، ومن مرحلة الفوضى إلى مرحلة النظام، ومن تمام الحظ ان تجاوبا في الأوساط الرسمية بدأ يلوح للعيان، وأصبح جانبنا يحظى بمزيد الاهتمام والرهبة، وأروع ما شاهدناه ف يبحر هذا الشهر هو ثلاثة أحداث ينبغي أن لا نستهين بها، ولعلها ستكون في مجموعها أساسا راسخا بالتعجيل للتخلص من تبعية الاستعمار الروحي الذي أبى إلا أن يسيطر على شخصيتنا القومية وسلبها من جميع مقوماتها المقدسة.

ويحسن في هذه المناسبة أن نسوق هذه الأحداث ونجسمها أمام القارئ حتى لا يبقى له مجال للشك في أهمية حركتنا الروحية المقدسة ومبلغ نجاحها:

1)رحلة صاحب الجلالة على الشرق العربي: من أية زاوية نظرنا إلى الرحلة الملكية إلى الشرق العربي يتملكنا شعور الإيمان بكثرة مكاسبها التي ستعود على المغترب بالخير العميم، وتقتضي المناسبة التي نحن بصددها أن لا نبرز جميع المزايا التي تحلت بها هذه الرحلة التاريخية في جميع وجوهها حتى لا نقع في تكرار ما سبق للقراء معرفته سلفا بواسطة الصحافة والإذاعة.

إن الجو الذي عاش فيه جلالة الملك عبر البلاد الشقيقة كان مفعما في جميع أحجامه وأشكاله بالعروبة الأصلية، فاللغة القومية هي الوسيلة الوحيدة للتفاهم والتعبير عن شتى المشاعر، فهي بذاتها الطاقة المحركة لموكب الحياة وأجهزته في مختلف الميادين، فلم يخل نشاط شعبي أو حكومي دون أن تسلط عليه أضواء هذه اللغة في جميع الجوانب، ومن المؤكد أن جلالة الملك قد ملك عليه مشاعره هذه الظواهر التي ينسجم فيها الكيان العربي الذي حرمنا منه منذ نكبة الاحتلال البغيض حتى أيام استقلالنا، فالرحلة المباركة ستكون إيذانا بتقويض معالم الفرنسة بعدما مهد لتحقيق هذه الغايات بربط العلاقات الثقافية مع مختلف البلاد العربية التي زارها.

2)الندوة الصحافية لوزير التعليم حول التعريب: فوجئنا هذه الأيام بالندوة الصحفية التي عقدها معالي وزير التعليم حول التعريب، فكانت بحق مظهرا من مظاهر التجاوب الرسمي للثورة التي نقودها في سبيل إعزاز اللغة القومية، وفرضها فرضا على حياتنا، وكم أخذتنا النخوة القومية عندما وقف معاليه في هذا الجمع موقف الرجل الحازم الذي لم يتردد في بسط أهمية التعريب وما يمكن أن يعود بالخير على وضعية البلاد من الناحية الثقافية والإدارية، ولم يخل حديثه من المصاعب التي ستعترينا في بداية الشوط الأول، إلا أنه لم يتبرم من هذه العراقيل بعدما وضع لها برنامجا واسعا للتخلص منها، وعلى العموم فهذا ربح آخر في سبيل نصرة دعوتنا.

3)معهد التعريب: لقد تسللت بنا الأحداث السارة حتى وجدنا أنفسنا أمام أبواب «معهد التعريب» وهي في نظري الخطوة الإيجابية للرغبة الشعبية التي عبر عنها رواد معركة اللغة العربية، ولعلنا بهذا الحدث قد خرجنا من مرحلة التمني إلى مرحلة الواقع التي تفهمتها المحافل الرسمية، فجندت لها الكفاءات وصهرتها في كتلة واحدة ستعمل عملا متقنا ومتواصلا على ضوء خطة مرسومة تتخلص في البرنامج الحافل الذي أعده معهد التعريب.

فهذه الأحداث الثلاثة ستجعلنا أكثر ثقة بنجاح معركتنا، فضلا عن أنها ستفتح لنا آفاقا جديدة لاستكمال خواصها حتى نتحرر قريبا من رواسب الاستعمار الروحي الذي أفسد منا الأدمغة والألسنة والأقلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت