فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 5287

في فجر الاستقلال:

والآن وقد من الله جلت قدرته علينا بنعمة الاستقلال واسترجعنا حريتنا المغصوبة، تعين علينا أن نتيقن أن هذا الاستقلال ليس له من معنى في ظرفنا الحاضر إلا فك القيد عنا وقدرتنا على العمل لرفع كل ضرر أحاط بنا من جراء الخمسين عاما التي مرت بنا وكلها ضنك وآلام وحرب على مقوماتنا ومقدساتنا. لقد ترك لنا الاستعمار الظلوم تركة عفنة ثقيلة، فلكي ننظف، ولكي نزيح عنا هذه الأثقال، يجب أن نتكاثف ونعمل في اتحاد ووئام ونتوزع العمل كل في ميدان يظن أن ينتج فيه، وهذه أول ثمرة من ثمرات الحرية ولاشك. إن أول مرحلة للعمل هي البيان والشرح، ولقد كان من توفيق الله لإمامنا الفذ نصره الله وأدام عزه وتوفيقه. أن أصدر أمره الكريم إلى وزارة الأوقاف لإصدار مجلة تقوم بـ (دعوة الحق) بين المواطنين المتعطشين لبيان العلماء، وخطابة الخطباء، وإرشاد المرشدين. وليست هذه أولى الأعمال الصالحة لجلالة ملكنا المؤمن، فجلالته خير من يعرف أن الشعب المغربي شعب مسلم، شعب مومن، شعب له مجده في التاريخ، شعب مرت به محنة فظيعة تناولت كيانه من الأساس، ولا يمكن أن يسترجع مجده، ولا أن يكون عضوا عاملا في الحقل الدولي، إلا إذا طهر كيانه من الأدران التي علقت به، وإلا إذا توفر على رجال وشباب لهم معرفة بالدين وحقائقه، واطلاع واسع على قوانينه وأحكامه وأهدافه، يعتزون بهذا الدين، ويفخرون بعروبتهم وعربيتهم، وهذا لا يتأتى إلا بنشر الحقائق المستورة، وشرح ما هو مستغلق على شبابنا، وبيان الأغراض الدنيئة التي يرمي إليها أعداء هذه الأمة من وراء بث الشبه عن هذا الدين السمح بين شبابنا المثقف، باسم العلم والبحث. والقيام بهذه المهمة على أحسن وجه، لا يكفي فيه تحبير المقالات ونشرها، بل يجب تنظيم محاضرات بعموم المغرب مدنه وقراه مداشره وصحراه، لإطلاع عامة الشعب وخواصه، ممن لم يمكن لهم الاطلاع على شؤونهم الدينية، على كل ما من شأنه أن ينير الأفكار والعقول ويهدئ القلوب الفزعة. فنحن وإن سررنا بهذا المشروع الجليل الذي نؤمل من ورائه الخير الكثير لنا ولناشئتنا، فنرجو أن يتسع أفقها لأبحاث نراها مهمة ونحن في أشد الحاجة إليها، أبحاث تتعلق بالتشريع في البلاد ومعالجة هذه المشكلة بروح إسلامية نيرة خالية من التعصب والجمود، ونحن إذا ما عالجنا هذه المواضيع علاجا يتفق وروح ديننا، وروح عصرنا، وروح عهدنا الجديد، نكون قد أسدينا لأنفسنا ولشعبنا وللعلم خدمة نرجو الله أن يجازينا عنها جزاء العاملين المخلصين.

ولنتصور أننا نعمل هكذا:

كتاب يكتبون، يشرحون ويبينون، ليدفعوا زيغ الزائغين ويظهروا المستور المجهول لدى الشعب من تاريخ مشرف ودين سمح ومبادئ سامية مستلهمة من الوحي السماوي المنزه عن العبث والمجون، خطباء محاضرون في المدن والبوادي دعاة للحق، السنة للصدق، يسألون فيجيبون بما يزيح العلة، ويشفي الغلة، بالمساجد، والدور، والأندية، والمدارس، ومحطة الإذاعة الوطنية، والسجون، إذ هذه الأخيرة في غاية الاحتياج إلى من يلتفت إليها، ولنا في الميدان الاجتماعي مجال واسع كمحاربة الرذائل والحض على الفضائل بأساليب مقنعة، وحجج دينية وعلمية سليمة مسلمة، رجال خصصوا أنفسهم للنواحي القانونية من مدنية وجنائية يمدون وزارة العدل بمادة تعينها فيما هي بسبيله في التنظيم القضائي سواء من ناحية شكله أو من ناحية موضوعه، ووزارة التعليم ليست في غنى عن رجال الفكر والدين لتسترشد بآرائهم وتستعين ببحوثهم. ونحن على يقين من أن إخواننا العلماء والكتاب والباحثين، لو خصصوا وقتا من أوقاتهم لهاته النواحي، فلا يمر غير وقت قصير، إلا ويظهر أثر ذلك من ناحية الثقافة العامة، ظهورا يسر كل غيور على هذه الأمة، ويجب أن يعلم كل مغربي ومغربية أن شعوب العالم كلها تتطلع إلينا ترقب سيرنا في عهد الاستقلال، وهل نحن نسير سير رشيد مجد، أم نلهو ونلعب ونعبث. وعلى قدر رجولتنا وشهامتنا يتوقف اعتبارنا بين الأمم.

فالشكر لله ثم لجلالة ملكنا المفدى على هذا المشروع الجليل، أعان الله الهادين إليه والقائمين عليه، وهو سبحانه ولي العاملين المخلصين والمسؤول وحده للتوفيق والرشاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت