فهرس الكتاب

الصفحة 2403 من 5287

المتحدة، ولهذا فالندوة لم تكن -في الواقع- الا حلقة من سلسلة تدابير تمهيدية للمساعدة على انجاز المشروع، والاسراع باخرجه الى حيز التطبيق، وفي ذلك ما قد كان من شأنه أن يضفي عليها بعض الاعتبار والتقدير، ولكن اذا كان لنا أن نحيي مشروع الموسوعة المرتقبة فان ذلك لا يجوز أن يصدنا عن التفكير في المشاريع التاليفية التي تتبناها بعض المجامع العربية وخاصة منها ما يتصل بسلسلة المعاجم اللغوية التي ما فتىء الحديث عنها يتردد صداه منذ بعيد، لقد تم الاعلان منذ ثلاث سنوات فقط عن آخر مشروع من مشاريع هذه المعاجم المرتقبة الا أن ذلك لم يفض -فعلا- الى انجاز خطوات عملية، وعلى افتراض إنجازها بتحقيق إحراج معجم أو أكثر فإن ذلك سوف لا يكون من شأنه أن ساهم -واقعيا- في الحد من فاعلية الأزمة اللغوية التي نحياها والتي تتضافر كثير من العوامل على زيادة تعتقيدها وازمانها، ان هذه الازمة ليست من البساطة بالقدر الذي يبيح التأكيد بأنها تتمثل فقط في اعواز بعض التعابير والمصطلحات وانعدام وجود جملة من الألفاظ والمفردات، ان لها جوانب متعددة تتجاوز هذا النطاق بكثير وتتجسم في عديد من الصور الأساسية لعل من أبرزها:

1 -المشكلة النحوية

2 -المشكلة التعبيرية العلمية والفنية

3 -المشكلة التعبيرية اليومية.

4 -المشكلة الرسمية والاملائية.

5 -المشكلة التحديدة (تحديد المدلولات اللغوية التي يسودها الغموض في المعاجم الموجودة) .

6 -المشكلة التوحيدية (توحيد المصطلحات الحديثة في الاقطار العربية) .

الا ان ظاهرة النقص البادي في ميدان المصطلحات العربية الحديثة هي التي كان لها -من بين هذه الظواهر المتعقدة كلها- الحظ الوافرمن عناية الباحثين اللغويين، فكان لها-بذلك- تأثير هام في توجيه انتباه الكثير منهم الى الاهتمام بكل ما يتصل بالتوليد اللغوي عن طريق الترجمة أو التعريب أو غيرهما، وقد كان من المنطق ان يستغرق هذا الاهتمام جهودا فردية وجماعية موصولة كانت حقا في بدايتها محدودة النتائج ضيقة النطاق، إلا أنها غدت بعد ذلك أكثر فعالية وتنظيما بعد أن انتصبت المجامع العربية في كثير من أنحاء الوطن العربي وخاصة في مصر وسوريا والعراق، وكان من ثمرات ذلك كله أن حفلت العربية الحديثة بحشد من المصطلحات والتوليدات اللغوية الطارئة مما له اتصال بمختلف فروع المعرفة من فيزياء وطبقات أرض وعلوم احياء ووظائف أعضاء وغير ذلك، إلا أن هذا التطور الملحوظ لم يحل -مع ذلك- بين المشكلة اللغوية العربية وبين أن تحتفظ بكثير من عناصر حدتها وتعقدها واستعصائها على الحلول ليست من لابساطة بالقدر الذي يجوز امكانيات العثور عليها في يسر وسهولة، ولكن يجب أن يكون هناك أساس قوي-على الأقل- للانطلاق في تلمس بوادر هذه الحلول وضبط عواملها وأسبابها وتحري منهاجها ونتائجها، وهذا يقودنا الى التساؤل: ما هو الأساس الصحيح الذي تنهض عليه عمليات الاصلاح اللغوي في العالم العربي؟ إن هناك -كما سلف- كثيرا من البوادر الجادة التي تستهدف الحصول على نتائج إيجابية معقولة في هذا المضمار ومصداق ذلك ما يمكن ملاحظته من دلائل التطور المجدي الذي غدا يميز حياة لغتنا خلال الحقبة الأخيرة ويفتق امكانياتها التعبيرية، ويوسع مدى قدرتها على استيعاب كثير من مفاهيم حياتنا الجديدة، لكن وجود هذا التطور وتوافر مظاهره لا يجب أن يصرفنا عن التفكير طويلا في فاعلية الأساليب وصلاحية المناهج التي يتم السير على سننها في سبيل تحقيقه، فهل هناك من دستور محدد ينتهج سبيله في عمليات الوضع اللغوي على اختلاف مناحيه؟ هل ثمت من أساليب فعالة في تنسيق بوادر العمل الاصلاحي اللغوي في البلاد العربية؟ وما هي الوسائل التي تتفق في سبيل انجاح هذه الأعمال الاصلاحية وضمان أكبر مجال تطبيق مشترك لها في مختلف أرجاء العالم العربي؟ انه ليس هناك -على الأرجح- من العناصر الواقعية ما يبيح الرد على هذه الأسئلة بالايجاب وخاصة منها ما يتصل بتوحيد صور المصطلحات الحديثة وضمان تطبيقها المشترك في الوطن العربي. ولعل في هذه النقطة بالذات ما يجوز الخلوص منه إلى جانب من أهم جوانب أزمتنا اللغوية التي لا يزيدها التقدم الحضاري العالمي الا أزمانا وتعقيدا، ذلك أن التشريع اللغوي في البلاد العربية تسوده حالة من الاباحية النسبية لا يتوفر له معها بالطبع سبيل التناسق والاستقرار ولم يكن لهذه الحالة -كما هو معقول- الا أن تساعد على نشوء ظواهر فوضوية في ميدان الوضع اللغوي تتجلى آثارها في تنافر المصطلحات المستحدثة وقصورها البادي أحيانا وتضاربها الناشئ عن تضارب المصادر المنبثقة عنها، وهذا ما نعبر عنه بالازمة اللغوية التي تحتل بالفعل حيزا هاما من مجموع المشاكل الثقافية في العالم العربي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت