فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع7 /يناير 1958 ص 21

وقد خلص الدكتور من كل ذلك إلى أن أدب الأبراج العاجية أو أدب الفن للفن لم يوجد إطلاقا، ولا سبيل إلى وجوده إطلاقا، وأن إنتاج الأديب، سواء أراد ذلك أو لم يرده، متأثر دائما بالبيئة المحيطة به، وأن إنتاج الأديب العربي اليوم لا يستطيع إلا أن يكون صورة للبيئة العربية المعاصرة، معبرا عن آمالها وعواطفها وخوالجها، وما دامت قضية الساعة بالنسبة للشعب العربي إنما هي قضية الوحدة وتحقيق فكرة القومية العربية، فإن الأديب العربي المعاصر لا يستطيع إلا أن يكون رائدا لهذه القضية أو صدى لها على الأقل.

إن قضية الوحدة والقومية العربية بالنسبة للأديب العربي المعاصر كالدهر بالنسبة لجبريل في بيت المعري:

وَلَو طارَ جِبريلٌ بَقِيَّةَ عُمرِهِ عَنِ الدَهرِ ما اِسطاعَ الخُروجَ مِنَ الدَهرِ

وتبع الجلسة الافتتاحية أربع جلسات أخرى خصصت لإلقاء المحاضرات في المواضيع التالية:

النثر والقومية العربية

الشعر والقومية العربية

النقد والقومية العربية

حماية الأديب والقومية العربية

وكان يتبع إلقاء المحاضرات في كل جلسة فتح الباب للمناقشة، على ألا يتعدى كل عضو في مناقشة الفكرة التي يتصدى لمناقشتها ثلاث دقائق.

وكانت الملاحظة العامة على المحاضرات والمناقشات معا أها كانت تسبح في محيط واسع جدا، ومع ما يبدو من أنه قد كان من الممكن تلاف ذلك، فإن طبيعة المؤتمر نفسه، وطبيعة الموضوع الذي خصصت له هذه الدورة وهو (الأدب والقومية العربية) ، ربما كانا يقتضيان ما لوحظ من اتساع المدى الذي كانت تجول فيه المحاضرات والمناقشات.

فالقضايا الأدبية هي دائما قضايا غير مسلمة تسليما نهائيا كالقضايا العلمية أو غيرها، والقومية العربية شعار يهتف به كل المواطنين العرب، ولكن حدود دلالة هذا الشعار قد تختلف بين شخص وآخر، وقد لاحظنا في المؤتمر أن بعض المحاضرين والمناقشين كانوا يطالبون بتحديد مفهوم القومية العربية، في حين كان بعضهم الآخر يثور في وجه المطالبين بهذا التحديد، إما بدعوى أن مفهوم القومية العربية واضح لا يحتاج إلى تحديد، وأننا لم نجتمع هنا إلا على أساس أننا متفقون عليه مقدما، وأننا نريد فقط أن نلائم بين مفهوم القومية العربية وأهدافها وبين الأدب، وإما بدعوى أن القومية العربية شعور يغمر قلوب الملايين من أبناء الوطن العربي، وأن الشعور قد يكتفي منه بأنه موجود، وأنه يدفع إلى العمل، من غير محاولة لتحديده أو توضيح معالمه.

ومهما يكن فقد أثيرت في المحاضرات التي ألقيت في المؤتمر وفي المناقشات التي كانت تتبع المحاضرات كل القضايا الأدبية، كقضية الفن للفن أو الفن للحياة، وقضية الفصحى والعاميات، والالتزام وعدم الالتزام، والتجديد في قالب الشعر أو المحافظة على عموده، والسمو بالقصة للتعبير عن البطولة والمثل العليا أو ترك الحرية للأديب في أن يكتب قضيته كما يشاء، ودور الناقد، ومدى وجوب توفره في نقده على المعرفة والأمانة والنزاهة والإخلاص.

كما أثيرت كثير من القضايا الوطنية والسياسية، كقضية الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي في المغرب والجزائر وتونس، وقضية الحياد الإيجابي في مصر، وقضايا العراق وشرق الأردن، والاستعمار الإنجليزي في جنوب اليمن، والموقف الذي ينبغي أن تتخذه الأقطار العربية من الكتلتين الشرقية والغربية معا، إلى غير ذلك من القضايا والمشاكل المتعددة.

ومن الصعب جدا، بل من المستحيل، أن نقوم في هذا المجال باستعراض لكل المحاضرات التي ألقيت في المؤتمر، فقد جمعت هذه المحاضرات في مجلد كبير قد يزيد عدد صفحاته عن المائتين.

وقد اخترت للقارئ كنموذج من المحاضرات التي ألقيت في المؤتمر محاضرتين يجدهما في غير هذا المكان، إحداهما للأستاذ محمود تيمور من وفد مصر، والثانية للأستاذ رئيف خوري عن وفد لبنان، على أنني أبادر فأنبه القارئ إلى أن الأفكار الواردة في المحاضرتين لم تكن كلها مسلمة تمام التسليم، فقد تعرضت كما تعرض غيرها من الأفكار الواردة في المحاضرات الأخرى لمناقشات جزئية تفصيلية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت