فهرس الكتاب

الصفحة 270 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع7 /يناير 1958 ص 46

فيا أيها الكتاب ويا أيها المؤرخون إني أقولها كما قال (إميل زولا) : «إني أتهم» ، أتهم الكتاب والمؤرخين بجمود القرائح، وبالكسل العقلي وأربأ بهم أن يوسموا بأن الثورة قد شملت كل مظهر من مظاهر الحياة إلا شؤون الفكر.

لقد كان الكتاب وأصحاب الاختصاص -وما أقلهم- يتملصون قديما بحجة الاستعمار، الذي كان يكبل العقول ويلجم الأفكار، ويحجر الكلام ويضع على الأيدي والألسنة قيودا ... وكان في تملصهم ودفاعهم بعض المقبول، ثم زالت الأستار وتحطم السد فانفتحت كل الأبواب، ولم يعد هناك عذر مقبول إلا الكسل، فهل يصبرون على أن يسجل عليهم التاريخ -وهو لا يرحم- أنهم يتفرجون على معركة البناء وهم صامتون، ويصفق الناس وهم جامدون، حسب الأحداث أن تجري وتجري، فنومة أهل الكهف لم تنته بعد!

وكانوا يتملصون بحجة أن المصادر معدومة أو كالمعدومة، وأن خزائن الكتب قد ضرب عليها بسياج من حديد، وأن الوصول إلى سفر من هذه الأسفار يعد ضربا من المستحيل ... وهي حجة ما أنزل الله بها من سلطان، فلا الكتب ممنوعة عمن يطلبها ولا هي محجوزة عن كل متوقف عليها، ومتى كانت الحواجز المادية تقف دون اللذة العقلية؟ وإنما الكتب حقا عرضة للأرضة تقضم منها الليلة بعد الليلة، واليوم بعد اليوم، حتى إذا أدرك شهرزاد الصباح وجدت الكتاب غربالا، ويكون الزمان قد عمل عمله وانتهت الرحلة بسلام.

قد يكون هناك عذر مقبول، وهو قلة التشجيع، فالكاتب لكي يغمس قلمه ويجود بالحرف، يحتاج إلى الذي يشد أزره ويقوي عزيمته، ويضمن له العون المعنوي إن لم نقل المادي ... وبجانب هذا قلة الإقبال على ما ينشر ويكتب فكأن جمهورنا أصيب بالعقم العقلي، فهو لا يقبل على أي إنتاج ولا يساهم في أي نشاط ... وهذا داء نعانيه في بداية عهدنا الجديد، ولا أرى له سبيا -في نظري- إلا هذه البلبلة التي عمت العالم بعد الحرب العالمية الأخيرة، فأضحى الفرد يسعى جهده لكي يضمن قوته فقط، أما أن يغذي عقله فهذا شيء ثانوي بجانب الأحداث العالمية التي تأخذ من نشاطه وتجعله يترقب كل يوم خبرا عن الصاروخ والقذائف، فمتى نتحرر من هذه المحنة، ونخلق جوا علميا ينسينا ولو إلى حين فورة الصاروخات!

وبعد، فهذه صرخة أردت أن أرفعها من فوق منبر"دعوة الحق"، ليتنبه أصحاب الشأن، والمسؤولون عن المعرفة في هذا البلد الأمين، وأعتقد أنهم لا تنقصهم الغيرة ولا يعوزهم الإيمان، وأن بإمكانهم أن يفعلوا المستحيل لكي يكتب تاريخنا في أسلوب جزل سهل، وبطريقة منظمة سليمة، وأن ننقذ الطلبة من هذه الفوضى التي تصيبهم من جراء دراسة التاريخ، فكل أستاذ يكتبه كما شاء وهو معذور، فلو تكتلت الجهود لما وصلنا إلى هذا الطور.

وعلى رأس وزارة التربية الوطنية رجل عرف بإخلاصه للثقافة، وتفانيه في خدمة التاريخ المغربي وله فيه جولات موفقة، فإليه نتوجه في أن ينشئ لجنة من كبار الباحثين والمتخصصين لسد هذا العجز، وما ذلك على همته بعزيز ....

وإلى الآباء والباحثين وأصحاب الخزائن وذوي الكفاءات، أوجه الدعوة لكي يجندوا أنفسهم لهذا الواجب الوطني، واعتقد أنهم إن شاء الله فاعلون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت