فهرس الكتاب

الصفحة 2882 من 5287

ولكن الإفريقي في كل مكان لا يلبث وهو يئن تحت السياط وتقطر الدماء من يديه المكبلتين، أن يستجمع قواه الخائرة ليصرخ بصوته المبحوح إفريقيا لي لا أحجار في التاج البريطاني أو ملك خاص لبلجيكا أو امتداد تحت البحر لفرنسا أو عمالة من عمالات البرتغال.

ويزداد حماسه وتصميمه وهو يرى أشقاءه في الشمال يفلون الجيوش التي كانت تذيع بأن كلمة «النصر» من صنعها واختراعها، ويسفهون التفوق الذي كانت تعتقد أنه إحدى صفاتها الأزلية، فتتوالى الثورات في المغرب والجزائر وتونس ومصر، ويحمل الاستعمار البريطاني عصاه ليغادر وادي النيل، وتندحر فرنسا أمام الثورة المسلحة في المغرب وتونس وعندما تجرب الدولتان الاستعماريتان وسيلة القوة في قناة السويس تعودان وقد تيقنتا أن معركة إفريقيا العامة لا معركة قناة السويس فقط قد تقرر زمانها وحددت نتائجها.

وهكذا فإن شمال القارة الإفريقية عندما حمل السلاح فإنما كان يعمل من أجل الحرية له وللمواطنين الإفريقيين جميعا، ويريد أن ينتفض وإياهم ليمضوا جميعا في صنع تاريخهم المشترك ويفتحوا في هذا التاريخ صفحة التحرر الكامل والإشراق الإفريقي والنضال من أجل العيش الكريم والحياة الأفضل.

ولا تلبث القارة برمتها أن تسير وراء هذه الغايات وتعتنق الكفاح من أجلها، ولا تلبث حصون الاستعمار وقلاعه أن تتهاوى الواحدة تلو الأخرى أمام تيار التحرر الجارف والانطلاق في طريق التضامن.

ويعيش -المغرب أفراحا متتالية، أفراح الانتصار الأول لإفريقيا في السودان والمغرب وتونس، وتغمره فرحة أخرى بانتصاب الرجل الإفريقي في غانا ويهتز للصرخة التي دوت في غينيا حيث هتف الرجل الإفريقي «لا حياة في ظل العبودية» ويعتبر انتصارات هذا الرجل نفسه في مالي والكمرون والكونغو ومدغشقر والصومال ونيجيريا وإفريقيا الاستوائية ودول الوفاق تحولا جذريا في تاريخه الحديث.

ولكن المغرب لا زال يوقن بأن المعركة يجب ألا تقف أو تتوانى ضد قوى التسلط والاسترقاق والاستنزاف التي ما فتئت تمعن في غيها في كثير من بقاع القارة.

فالاستعمار لا زال يحلم بالأمجاد الأسطورية في كينيا وطانغانيكا ومزنبيق وأنجولا ووادي الذهب وسيراليون وغيرها.

والرجل الأوربي لا زال ينكر على المواطن الإفريقي العيش الكريم تحت سمائه ويعمل على ألا تسطع شمسها إلا على محياه الأبيض وعرقه المختار بل وينكر عليه حتى حق الحياة فوق أرض آبائه وأجداده والرجل الأروبي يريد بعد أن طرد من بعض الأقطار وغلبته قوة التصميم الإفريقي أن يخرج من الباب ليدخل من النافذة، فهو إذا لم يثر الاضطرابات ضد الحكومات الشرعية الوطنية ويقذف بجيوشه ضدها ويخلق لها الإشكالات والمتاعب كما يفعل الآن في الكونغو، وإذا لم يغد تطاحن الطوائف الدينية كما تشهده اليوم جمهورية نيجيريا، وإذا لم يشجع الإقطاعية المتعاونة المنحرفة كما هو صنيعه في كينيا وموريطانيا وإذا لم يسند الاتجاهات الانفصالية كما هو الحال في كاتانغا وكاساي ووادي الذهب والكمرون الشمالي، إذا لم يفعل ذلك في بقية الأقطار الإفريقية الفتية فهو قد ابتدع على مستوى القارة -نوعا مستورا من الاستعمار يمكن أن نسميه «الاستعمار الجديد» أي الاستعمار الذي يقوم على الارتباط الاقتصادي والفني والثقافي والإبقاء على اعتماد الأفارقة على الخبرة والأموال والأسواق الأجنبية. والاستعمار قد اخترع أقنعة جديدة تحكم البلاد التي غادرها باسمه، وتضفي صبغة المشروعية على استثماراته ومصالحه الإستراتيجية والتجسسية. ففرنسا قدمت في هذه الأيام استقلالا مزيفا ممسوخا لقطعة من صحراء الشمال الإفريقي هي إقليم موريتانيا، متعمدة خلق دولة ليس لها من مقومات الحياة إلا ما يدفعه الاستعمار لأذنابه وحراس مصالحه.

إن العفريت الآن قد خرج من القمقم ليدوس الاحتلال، الاحتلال بجميع أشكاله وألوانه ولباسه، وليبني هذه القارة التي أراد الاستعمار أن تكون قارة مظلمة، وليخط لها طريقها للخروج من نطاق التخلف الذي فرضته أحقاب من الاسترقاق والتجهيل والتفرقة.

فرسالتنا في هذا الركن تحددها حاجيات الأفارقة إلى حركة هادفة وبعث جديد، ويؤكدها أكثر من ذلك الافتقار إلى حضارة فكرية جديدة على مستوى القارة تجمع بين الاستعدادات المبدعة في جو من الإخلاص والجدية.

ولا ينسى هذا الركن أن يحيي كفاح أبناء هذه القارة ويزكي تطلعهم إلى التحرر الثقافي والإنعتاق والوحدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت